أي طريق لمستقبل المغرب؟

الانتفاضة // عزيز الدروش // محلل وفاعل سياسي

في السنوات الأخيرة، ارتفع خطاب سياسي وإعلامي في المغرب يقدّم كرة القدم وكأنها الرافعة الكبرى للاقتصاد الوطني، وكأن مستقبل البلاد يمكن أن يُبنى بالملاعب والتظاهرات الرياضية. ومع كل قرار كروي أو مشروع رياضي جديد، يتم تسويق الأمر للرأي العام على أنه إنجاز استراتيجي سيقود البلاد نحو التنمية والازدهار.
لكن الحقيقة التي يجب أن تُقال بوضوح، بعيداً عن لغة الدعاية و التفاهة والاحتفال، هي أن من يراهن على كرة القدم كرافعة أساسية للاقتصاد الوطني إنما يراهن على الوهم. فالاقتصادات الكبرى في العالم لم تُبنَ بالملاعب ولا بالمباريات، بل بُنيت بالعلم والمعرفة والتكنولوجيا والصناعة والبحث العلمي.
لا أحد يعارض الرياضة أو الفرح الذي تمنحه للشعوب، لكن تحويلها إلى سياسة عمومية بديلة عن الإصلاحات الحقيقية قد يتحول إلى هدر للمال العام وتضليل للرأي العام. فالشعب الذي يعاني من البطالة، وضعف المدرسة العمومية، وتدهور الخدمات الصحية، لا يمكن أن تُحل مشاكله بهدف في مباراة أو بتنظيم تظاهرة رياضية مهما كان حجمها.
إن الرهان الحقيقي الذي صنع تقدم الأمم عبر التاريخ هو التعليم. فالدول التي وضعت المدرسة العمومية في قلب مشروعها الوطني هي التي نجحت في بناء اقتصاد قوي ومجتمع متوازن. لذلك فإن الاستثمار في التعليم العمومي موحد وعادل وديمقراطي ليس مجرد قطاع من القطاعات، بل هو القاعدة الصلبة لأي نهضة اقتصادية وسياسية و اجتماعية وثقافية.
الرهان على الأستاذ المكوَّن تكويناً علمياً وأكاديمياً عالياً، والذي يحظى بالمكانة الاجتماعية والمادية التي تليق برسالته، هو الرهان الحقيقي على مستقبل البلاد. فالأستاذ هو صانع العقول وباني الأجيال، وإذا انهارت مكانة الأستاذ انهار معها مشروع بناء الإنسان.
وفي السياق نفسه، فإن الرهان على العلماء والأئمة والخطباء الأحرار الشرفاء الذين يحملون رسالة القيم والأخلاق هو رهان على مجتمع متوازن تحكمه المبادئ، لأن التنمية لا تقوم بالاقتصاد وحده، بل تحتاج إلى منظومة أخلاقية تحمي المجتمع من الانحراف والفساد.
لقد أكد القرآن الكريم مركزية العلم في بناء الحضارة حين قال الله تعالى:
“قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ” (سورة الزمر).
وقال سبحانه:
“يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ” (سورة المجادلة).
وفي الحديث النبوي الشريف قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهّل الله له به طريقاً إلى الجنة.”
هذه النصوص تؤكد أن العلم هو أساس النهضة الحقيقية، وأن المجتمعات التي تهمّش المعرفة وتقدّم الاستعراضات على الإصلاح الحقيقي إنما تؤجل أزماتها ولا تعالجها.
في المقابل، فإن أخطر ما يهدد الدول ليس الفقر في الموارد، بل فساد الطبقة السياسية التي تتحكم في القرار. فالطبقة السياسية التي يصبح هدفها الأول نهب المال العام وإعادة تدوير المناصب والامتيازات إنما تقود المجتمع نحو فقدان الثقة في السياسة ومؤسسات الدولة.
وقد حذر الإسلام بوضوح من التلاعب بالمال العام، فقال الله تعالى:
“ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل” (سورة البقرة).
كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: “كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته.”
فالسلطة في جوهرها أمانة ومسؤولية وليست امتيازاً للاغتناء أو النفوذ. وأي طبقة سياسية تحول الدولة إلى وسيلة لتكديس الثروة أو توزيع الامتيازات إنما تراهن على الخراب والزوال.
إن المغرب اليوم أمام مفترق طرق تاريخي: إما الاستمرار في صناعة الأوهام وتقديم المشاريع الرياضية كأنها حلول سحرية للأزمات الاقتصادية والاجتماعية،
وإما العودة إلى الطريق الحقيقي للتنمية الذي يبدأ ببناء الإنسان عبر مدرسة قوية، وأستاذ مكرّم، وعلماء أحرار، ومؤسسات سياسية نظيفة تحارب الفساد دون تردد.
فالشعوب قد تفرح بانتصار في مباراة، لكن النهضة الحقيقية لا تُبنى بالمباريات بل بالعقول.

من المستحيل بناء دولة قوية و ديمقراطية و عادلة بمؤسسات و أحزاب ينخرها الفساد والإستبداد والظلم والحكرة وأشياء أخرى.

التعليقات مغلقة.