الانتفاضة
بسبب تداعيات الحرب الأمريكية الإسرائيلية على طهران، يبدو أن أكثر ما تفكر فيه أمريكا في هذه اللحظة هي هيبتها التي تتآكل أمام أعين العالم.
فالإمبراطوريات لا تخاف الهزيمة بقدر ما تخاف انكشاف حدودها.
كانت تعتقد أن الضربة على إيران ستكون خاطفة، صدمة محسوبة، ارتباك سريع، ثم خطاب نصر يُصاغ بعناية ويُقدَّم للجمهور كدليل على عودة اليد الطولى مثلما فعل مع “مادورو” في فنزويلا .
السيناريو كان بسيطا في مخيلتهم، قوة نارية مركّزة، ثم تصدع داخلي، ثم إعلان نهاية الجولة قبل أن تبدأ فعليا…
لكن حين تبيّن أن المشهد أعقد، وأن الخصم لا يسقط كما سقطت أنظمة أخرى في سياقات مختلفة، بدأ الإحساس بالمأزق يتسلل إلى عمق القرار. المأزق هنا استراتيجي ونفسي في آن واحد.
فالقوة التي تعوّدت على فرض الإيقاع تجد نفسها فجأة أمام إيقاع مضاد، أمام خصم يمتص الصدمة ويعيد توزيعها في خطاب تعبوي داخلي، فيشبّك الجبهة الداخلية بالخارجية ويحوّل الضربة إلى مادة صمود….
هنا يبدأ التفكير في نقل المعركة إلى مستوى آخر، في توسيع رقعة الاشتباك بحيث تتعدد الجبهات وتتشتت الكلفة.
إدخال دول عربية في الصراع يصبح جزءا من منطق إعادة توزيع الأعباء. المنطقة، بتاريخها الممزق وحدودها القلقة، قابلة للاشتعال بسرعة.
التوترات المذهبية، الصراعات على النفوذ، الحسابات الأمنية المتراكمة، كلها عناصر يمكن أن تتحول إلى وقود لحرب إقليمية واسعة.
وعندها يتبدل موقع الفاعل الرئيسي، من طرف مباشر في المواجهة إلى مدير صراع من الخلف، يراقب ميزان الاستنزاف وهو يعمل ببطء….
الفكرة هنا جيواستراتيجية باردة: حين تتآكل القوى الإقليمية في صراع طويل، سيعاد رسم التوازن من جديد. حرب الاستنزاف أداة في علم القوة.
إنها هندسة للزمن، ترك الخصوم يستهلكون طاقاتهم الاقتصادية والبشرية، ينهكون جيوشهم، يستنزفون مخزونهم الرمزي، حتى يصبح التدخل اللاحق أقل كلفة وأكثر حسما…
إسرائيل، في هذا التصور، تتحرك داخل هذه المعادلة كفاعل يعتبر نفسه في صراع وجودي دائم.
جزء من خطابها السياسي يستند إلى سردية توراتية، إلى وعد تاريخي يستعاد في لحظات الأزمات.
حين يلتقي هذا الخطاب الديني بالرؤية الأمنية، تتشكل نزعة توسعية ترى في الاضطراب الإقليمي فرصة لإعادة تعريف الحدود، لتثبيت وقائع جديدة على الأرض.
فكرة “إسرائيل الكبرى” ليست شعار هامشي، انه حلم يطفو كلما اهتزت الخرائط، كلما ضعفت الدول المحيطة، كلما دخلت المنطقة طور الفوضى…
التخطيط هنا سيتجاوز السياسة اليومية إلى مستوى أعمق من الميتاسياسة، حيث تتداخل العقيدة مع الجغرافيا، ويتحول النص الديني إلى مبرر جيوسياسي.
المنطقة تُقرأ كحيز قابل لإعادة التشكيل، كمساحة يمكن إعادة هندستها عبر الحروب، عبر تفكيك الدول إلى وحدات أصغر، عبر خلق واقع جديد يصبح مع مرور الوقت أمرا واقعا…
في هذا السياق، يمكن فهم فكرة الانتظار حتى يستنزف الجميع.
حين تتورط إيران في صراع مفتوح مع دول عربية، وحين تنشغل هذه الدول بحروب حدودية واقتصادية وأمنية، تتغير موازين القوى تدريجيا.
عندها يصبح التدخل اللاحق أكثر سهولة، أقل مقاومة، لأن الجميع خرج من المعركة مثقلا بالخسائر.
إنها لعبة طويلة النفس، تتطلب صبرا استراتيجيا وقدرة على إدارة الفوضى من دون الغرق فيها…
يتسلل هنا صوت توماس هوبز من عمق الفلسفة السياسية، حين وصف الحالة الطبيعية بأنها حرب الجميع ضد الجميع.
هذا التصور يصبح واقعا جيوسياسيا حين تنهار منظومات الردع الإقليمي، وحين تتفكك الثقة بين الدول، وحين يعاد تعريف الجار كتهديد وجودي.
في تلك اللحظة، تتحول المنطقة إلى فضاء خوف دائم، وكل دولة تنغلق على أمنها، وكل قرار يُتخذ تحت ضغط البقاء…
الخطر في هذا المسار أنه يعيد إنتاج منطق القوة المجردة، حيث تُختزل الشعوب في حسابات الخرائط، وتتحول المدن إلى نقاط في تقارير عسكرية، ويصبح التاريخ مادة لإعادة الصياغة وفق موازين النار. الفكرة التي تلوح في الأفق هي إعادة ترتيب شامل، قد تمتد دوائره إلى مصر أو تركيا أو غيرهما إذا اختل التوازن أو تفككت الجبهات…
المشهد كله يبدو كأنه اختبار لحدود الإرادة الإمبراطورية، وحدود الصبر الإقليمي، وحدود قابلية الجغرافيا العربية لتحمل جولات جديدة من التفكك.
بين الهيبة التي تريد أن تستعاد، والحلم التوسعي الذي يريد أن يتحقق، تقف شعوب كاملة على حافة معادلة لا تتحكم بها…
إنه تصور قاتم، يختلط فيه الديني بالسياسي، والاستراتيجي بالرمزي، وتصبح فيه المنطقة مسرحا لمعادلات أكبر منها.
وقد يكون هذا السيناريو مجرد احتمال في عقل متوجس، وقد يكون إنذارا مبكرا لمسار يتشكل ببطء. في كل الأحوال، ما يتكشف هو هشاشة التوازن، وقابلية الشرق الأوسط لأن يتحول، في أي لحظة، إلى ساحة حرب مفتوحة يعاد فيها رسم كل شيء تحت ضغط النار…
التعليقات مغلقة.