قضية الملصقات وأزمة ترتيب الأولويات

0

الانتفاضة // بقلم: عزيز الدروش // محلل وفاعل سياسي

في خضم تحديات سياسية اجتماعية واقتصادية عميقة يعيشها المغرب، تفاجأ الرأي العام بإثارة قضية إزالة بعض الملصقات من سيارات نقل الأموات المسلمين، خاصة تلك التي تتضمن عبارة دينية راسخة في وجدان المغاربة: “لا إله إلا الله محمد رسول الله ”.

بالنسبة لكثيرين، لم تكن المسألة مجرد إجراء تنظيمي مرتبط بقوانين السير أو توحيد شكل العربات، بل بدت وكأنها انشغال بقضية رمزية في وقت تنتظر فيه البلاد معالجة ملفات أثقل وأخطرتنهك البلد و تمس المال العام وثقة المواطنين في مؤسساتهم.
فالشارع المغربي يتساءل: ماذا عن ملف الوداديات السكنية التي تحوّل بعضها حسب ما يُتداول إلى قنوات للمضاربة والاغتناء غير المشروع و تمويل الانتخابات و أشياء أخرى؟ ماذا عن السطو على أراضي الدولة بطرق ملتوية؟

ماذا عن اختلالات تدبير بعض الجماعات والجهات والعمالات حيث تُصرف ملايير الدراهم دون أثر تنموي واضح على الشعب ؟

وماذا عن استغلال الملك العام، وفوضى المقالع الرملية والحجرية، وتمويل بعض الأحزاب والجمعيات، وشبهات استغلال النفوذ من طرف بعض المسؤولين؟

هذه القضايا تمس صميم العدالة الاجتماعية وهيبة القانون، وهي أولى بأن تتصدر جدول الأولويات.
إن الحكومة التي يقودها عزيز أخنوش مطالبة اليوم بتوضيح رؤيتها في محاربة الفساد وترتيب أولوياتها بوضوح.

ووزارة الداخلية، بحكم صلاحياتها الواسعة في الإشراف على الجماعات الترابية ومراقبة احترام القانون، تتحمل مسؤولية خاصة في فتح الملفات الكبرى بشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة، بدل الاكتفاء بإجراءات تُفهم شعبياً على أنها هامشية مقارنة بحجم التحديات.
قضية الملصقات كشفت عن خلل في التواصل وفي ترتيب الأولويات أكثر مما كشفت عن إشكال قانوني بحت.

فالدولة مطالبة بأن توازن بين تطبيق القانون بحزم، واحترام الرمزية الدينية والاجتماعية التي تشكل جزءاً من هوية المجتمع. أما الاستمرار في إثارة معارك جانبية بينما تتراكم الملفات الثقيلة، فإنه يغذي الإحساس بالعبث ويضعف الثقة في العمل العمومي.
المغاربة لا ينتظرون صراعات رمزية، بل ينتظرون قرارات شجاعة تعيد الاعتبار للمال العام، وتضبط استغلال الثروات، وتحصن المؤسسات من الفساد.

وحدها هذه المقاربة الكفيلة بتعزيز الاستقرار وترسيخ الثقة، وجعل القانون يُطبق على الجميع، لا أن يُختزل في قضايا شكلية تُثير الجدل أكثر مما تحل المشكلات.

من المستحيل بناء دولة قوية و ديمقراطية و عادلة بمؤسسات و أحزاب ينخرها الفساد والإستبداد والظلم والحكرة وأشياء أخرى.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.