مايصة سلامة والأربعون حرامي

الانتفاضة/ بقلم الأستاذ محمد كفيل، الأمين العام لحزب النهضة والفضيلة

في زمنٍ تختلط فيه الأوراق، وتتشابه فيه الأصوات، يخرج علينا لصوصٌ جدد، ليسوا كأولئك الذين حذرنا منهم التراث الشعبي في “علي بابا والأربعون حرامي”. لصوص اليوم أكثر خطورة؛ لأنهم لا يسرقون الأموال، بل يسرقون المقدسات والمعتقدات، الذين جعلوا من رمضان -شهر الصوم والقرآن- مادةً للترند والربح السريع. لكنهم ليسوا وحدهم في هذا المخطط الممنهج، فهناك لصوصٌ آخرون يلبسون عباءة المقدس للأسف.
لا يمكن لأحدٍ أن يخدع المغاربة بعد اليوم، فما نعيشه ليس مجرد أخطاء إدارية عابرة، ولا هو صدفة تكررت مراراً. إنه “الطابور الخامس” الذي يضرب في العمق؛ يبدأ من محو اسم الله من سيارات الموتى، ويمر بتكميم الأفواه في المساجد بحجة “الإرسال” و”القبض”، ليصل ذروته في منح منصة لكل “مايصة” تخرج لتعلن للعالم أنها تفطر في رمضان عشر سنوات. هذه الوجوه المتعددة لحملةٍ واحدةٍ، تهدف إلى نخر الهوية الدينية للمغرب، وتفكيك عقد البيعة الذي يجمع إمارة المؤمنين بشعبها. وفي خضم هذا الانحدار، تطل علينا مايصة وبقية “أصناف اليوتيوبرز”، ليس كنماذج فردية شاذة، بل كنتاجٍ طبيعي لمشهدٍ يتسامح مع تفاهة الإثم، ويعظم هامشية الفقه.
في خضم هذا الانحدار، كذلك تطل علينا مايصة وبقية عصابة اليوتيوبرز، لتحول شهر رمضان -شهر الصوم والقرآن- إلى مادةٍ للترند والسبق الإعلامي الرخيص. المثير للشفقة ليس فقط تصريحها المريض بإفطار عشر سنوات، بل ذلك التبجح والاستفزاز الذي تخرج به على المغاربة وكأنها تعلن انتصاراً شخصياً. لكن الحقيقة المرة أن هذه “المعتوهة”، ليست سوى وجهٍ من وجوه مخططٍ أكبر، يستخدم أمثالها لكسر الطابع الديني للمجتمع، تحت غطاء “الحرية الفردية” الفارغ من محتواه.
أما لائحة المخالفات التي طاردت الأئمة في المساجد بسبب وضع اليمنى على اليسرى، فهي تذكرنا بأن الهجوم لا يأتي فقط من العلمانيين والملاحدة، بل أحياناً من داخل المؤسسة الدينية نفسها. الانشغال بتصيد الأخطاء الفقهية الهامشية للمصلين، وتحويل المساجد إلى ساحات محاسبة، بينما تُترك الأصول والعقائد الكبرى عرضةً للهجوم من كل حدبٍ وصوب، هو تشويشٌ متعمد على جوهر الدين. الأولى بهؤلاء أن ينشغلوا بالرد على أمثال مايصة وأتباعها، بدل محاسبة رجلٍ فقيرٍ على طريقة وضع يديه في الصلاة.
ما يجمع هذه المشاهد المتناثرة، أنها كلها تصب في بئرٍ واحد: محاولة يائسة لتفكيك النموذج المغربي الفريد؛ نموذج إمارة المؤمنين الذي جمع بين الدين والدولة، وبين الثوابت والحداثة. هذه الحملة الممنهجة تستهدف جوهر البيعة التي قامت عليها الدولة المغربية منذ أربعة عشر قرناً، وتريد اختزال دين الأمة في صراعاتٍ هامشيةٍ وتصريحاتٍ استفزازيةٍ لا تمت للمغاربة ولا لتدينهم بصلة.
لكن مهما تمادوا في كيدهم، سيبقى المغاربة معلقي قلوبهم بالمساجد، وبالقرآن، وبإمارة المؤمنين التي تجمعهم. لأن مايصة وأمثالها تمر مرور اللصوص على تاريخ وهوية هذا البلد، بينما يبقى الأصيل أصيلاً، ويبقى المغرب بلد الأذان الذي لا يُرفع في مساجده إلا بالتوحيد، والدستور الذي ينص على أن الإسلام دين الدولة، والبيعة التي لا تموت. 

التعليقات مغلقة.