الانتفاضة/ شاكر ولد الحومة
في مراكش، المدينة التي كانت تُضرب بها الأمثال في العالمية والانفتاح، يتشكل واقع آخر… واقع يُدار في الظل.
هناك من صنع لنفسه صورة “إسكوبار” خاص بالمدينة.
لا يحمل شحنة بيضاء في الموانئ، بل يوزع شيئًا أخطر…
يوزع “دقيق الفرص”.
دقيقٌ ناعم، أبيض، مغرٍ…
من يقترب منه يشعر بالشبع السريع، بالترقي المفاجئ، بالحلول السهلة، بالعلاقات المختصرة.
لكنه دقيقٌ يُغيب العقول، يُسكر الضمائر، ويجعل البعض يرقص على إيقاع المصالح دون أن يسأل: من يحرّك الخيوط؟
المدينة اليوم ليست واحدة.
شمال وجنوب، لكل جهة رجالها، ولكل مجال وسطاءه، ولكل ملف بوابته الخاصة.
ليست خريطة رسمية، لكنها خريطة نفوذ يعرفها من يسهرون حتى الفجر أكثر مما يعرفها من يشتغلون في وضح النهار.
أصحاب النوادي والليالي الحمراء لم يعودوا مجرد مستثمرين في الترفيه، بل تحول بعضهم إلى صانعي تأثير.
المال يفتح الأبواب، والعلاقات تغلق الملفات، وبعض المثقفين – للأسف – تحولوا إلى مطبعة بيانات غير معلنة، يلمّعون، يبررون، ويسوقون صورة وردية لواقع رمادي.
الخطير ليس في شخص واحد، بل في ثقافة “خذ نصيبك واصمت”.
في مدينة كانت تُصدر الفن والفكر، أصبح بعض أبنائها يكتفون بفتات الولائم الليلية، ويمنحون الشرعية لمن لا يستمد قوته إلا من العتمة.
مراكش أكبر من أن تُختزل في أضواء اصطناعية.
وأعرق من أن تُدار بمنطق المناطق المقسّمة.
وأذكى من أن يطول تغييب وعيها بدقيقٍ يُشبع الجيوب ويفرغ القيم.
المدينة الحمراء لا تحتاج “إسكوبار” جديدًا.
تحتاج يقظة.
تحتاج مثقفًا يرفض أن يكون جزءًا من الشبكة.
وتحتاج مواطنًا يسأل بصوت مرتفع:
من يحكم الليل؟
ومن يقسم النهار؟
ولصالح من تُوزع أكياس “الفرص”؟
فحين يُغيب الدقيق العقول…
يصبح الصمت أخطر من كل الجرائم.
التعليقات مغلقة.