الانتفاضة/ ابراهيم أكرام
أعادت الجمعية المغربية لحقوق الإنسان– فرع المنارة مراكش – ملف حي يوسف بن تاشفين، المعروف بالحي العسكري أو “بين لقشالي”، إلى واجهة النقاش الحقوقي، عبر رسالة مفتوحة وبلاغ مطول موجه إلى عدد من المسؤولين الحكوميين والعسكريين والمنتخبين، دقت فيه ناقوس الخطر بشأن ما وصفته بـ“الوضعية الحقوقية والاجتماعية الكارثية” التي تعيشها أزيد من 5000 أسرة من قدماء العسكريين وذوي الحقوق.
الحي، الذي تقطنه أسر منذ أكثر من أربعة عقود، يعيش على وقع احتجاجات متواصلة دخلت عامها الخامس عشر، في ظل تعثر تسوية الملف العقاري واستمرار التهديد بالهدم والترحيل. وترى الجمعية أن جوهر الأزمة لا يرتبط فقط بنزاع عقاري، بل بحق دستوري وإنساني أصيل في السكن اللائق والكرامة والاستقرار الاجتماعي.
واستند البلاغ إلى مرجعيات قانونية وطنية ودولية، مذكرا بأن المغرب صادق على العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، الذي يضمن الحق في مستوى معيشي كاف، بما في ذلك السكن الملائم. كما أشار إلى التعليقين العامين رقم 4 و7 الصادرين عن اللجنة المعنية، اللذين يشددان على أن السكن لا يقتصر على المأوى، بل يشمل الأمن القانوني للحيازة، ومنع الإخلاء القسري دون ضمانات وتعويض عادل.
وعلى المستوى الوطني، استحضرت الجمعية الفصل 31 من الدستور المغربي، الذي ينص على تعبئة الدولة لكافة الوسائل لتيسير استفادة المواطنين من الحق في السكن، إضافة إلى الفصل 35 المتعلق بحماية حق الملكية. كما ذكرت بقرارات سابقة، من بينها المذكرة الملكية لسنة 2001 ومحاضر رسمية أكدت خيار إعادة الهيكلة وعدم الترحيل، معتبرة أن عدم تفعيل هذه الالتزامات يطرح سؤال استمرارية الدولة في احترام تعهداتها.
وتنتقد الجمعية المقترحات الحالية التي يروج لها باعتبارها “حلولا هزيلة”، لا ترقى – بحسب تعبيرها – إلى مستوى جبر الضرر المتراكم، ولا تراعي الروابط الاجتماعية والاقتصادية التي تشكلت داخل الحي عبر عقود. كما حذرت من تغليب المقاربة الاستثمارية والرهانات العقارية على حساب البعد الاجتماعي، خاصة في منطقة تمتد على مئات الهكتارات وتعرف تحولات عمرانية كبرى.
في المقابل، طالبت بوقف فوري لعمليات الهدم والترحيل، واستئناف مسطرة التمليك وفق المرجعيات السابقة، وتعويض المتضررين، وضمان استمرارية تمدرس الأطفال وحماية الأنشطة الاقتصادية الصغيرة. كما دعت إلى فتح تحقيقات نزيهة بشأن الانتهاكات المسجلة، وإشراك فعلي للساكنة والجمعيات الحقوقية في صياغة أي حل مستقبلي.
إن ملف الحي العسكري بمراكش لم يعد مجرد إشكال محلي، بل اختبار حقيقي لمدى قدرة السياسات العمومية على التوفيق بين متطلبات التنمية العمرانية واحترام الحقوق الأساسية. فبين منطق الاستثمار ومنطق العدالة الاجتماعية، يبقى الرهان هو إيجاد صيغة تضمن السكن اللائق والكرامة الإنسانية، بعيدا عن أي مقاربة قد تعمق الإحساس بالتهميش أو فقدان الثقة في المؤسسات.
التعليقات مغلقة.