الانتفاضة /// حسن المولوع
إلى حدود الآن، لم يصدر أي بلاغ رسمي مفصل يقدّم معطيات إضافية ودقيقة بشأن واقعة الشاب الذي ألقى بنفسه من طابق علوي داخل مقر الفرقة الوطنية للشرطة القضائية أثناء الاستماع إليه. وفي ظل هذا الفراغ المعلوماتي، أصبح الرأي العام يتابع روايات متعددة وتكهنات متباينة، بدأ بعضها يكتسب طابع التصديق مع مرور الوقت، في غياب رواية مؤسساتية واضحة تحسم الجدل.
وفي مقابل هذا الصمت، ظهرت أصوات من خارج الإطار الرسمي نصّبت نفسها مدافعة عن المؤسسة الأمنية، حيث أقدمت إحدى الأستاذات الجامعيات المثيرة للجدل على نشر نسخة من تقرير مسطري يعود إلى سنة 2022، يتعلق بنزاع سابق بين الشاب المتوفى وعميدة شرطة.
ويتضمن التقرير، المرفوع من طرف ضابط شرطة ممتاز إلى وكيل الملك بالمحكمة الابتدائية الزجرية بعين السبع، معطيات حول شكاية تتهم الشاب بالتهديد بالتشهير والابتزاز والضرب والجرح، مع الإشارة إلى حجز هاتف نقال وحاسوب محمول وحاسوب مكتبي في إطار البحث.
كما يتضمن التقرير ادعاءات ذات طابع شخصي وحساس، تبقى من الناحية القانونية مجرد تصريحات طرف واحد، تحتمل الصدق كما تحتمل الكذب أو المبالغة، ما دام أنه لم يصدر بشأنها حكم قضائي نهائي، وتظل بالتالي مشمولة بقرينة البراءة.
غير أن خطورة ما حدث لا تتعلق فقط بمضمون الوثيقة، بل بسياق نشرها وتوقيته. فمحاولة الإساءة إلى صورة الشاب المتوفى تحت غطاء الدفاع عن المؤسسة قد تكون، في الواقع، قد أضرت بها أكثر مما أفادتها، لأنها فتحت بابا واسعا لتأويلات جديدة، خاصة تلك التي تتقاطع مع ما صرّح به والدا الشاب حول وجود خلاف سابق بينه وبين عميدة الشرطة.
بل إن نشر معطيات ذات طابع شخصي وحساس لا يمس فقط بسمعة المعني بالأمر، وإنما قد ينعكس أيضا على صورة الأطراف الأخرى الواردة في الملف، ويطرح تساؤلات حول المعايير الأخلاقية والمهنية، ومدى احترام سرية الأبحاث والمساطر القضائية.كما يثير هذا التطور سؤالا جوهريا..كيف تم تسريب وثيقة ذات طابع مسطري؟ ولماذا تم نشرها في هذا التوقيت بالذات؟ وما الرسالة التي يراد توجيهها إلى الرأي العام من خلال هذا التسريب؟
وحتى إذا افترضنا، على سبيل الجدل، أن الشاب كانت له سوابق أو شبهات قوية، فإن ذلك لا يمكن أن يشكل بأي حال مبررا لما حدث داخل مقر رسمي، ولا يعفي الجهات التي كانت تشرف على الاستماع إليه من مسؤولية ضمان سلامته الجسدية والنفسية. بل إن بعض القراءات ترى أن تضخيم معطيات سلبية حوله قد يعزز فرضية تعرضه لضغط نفسي كبير قبل الواقعة.
كما أن ربط بعض تفاصيل التسريب بمعطيات سبق أن تحدثت عنها الأسرة، خاصة ما يتعلق بحجز الأجهزة الإلكترونية، يعيد طرح تساؤلات حول خلفيات الملف ومساراته السابقة، ومدى ارتباطها بتطورات القضية الحالية.
تفكيك خيوط هذه القضية لا ينبغي أن يُفهم على أنه استهداف للمؤسسة الأمنية، بل على العكس، هو مدخل لتعزيز مصداقيتها. فالمؤسسات القوية هي التي تواجه الأسئلة بالوضوح، وتعالج أي اختلالات محتملة بشفافية، لأن الانزلاقات الفردية تظل ممكنة في أي جهاز، ومعالجتها هي ما يحافظ على ثقة المجتمع.
وفي هذا السياق، يرى متابعون أن التحقيق، بحكم حساسية الملف وتحوله إلى قضية رأي عام، ينبغي أن يشمل جميع حلقات المسار..التعليمات القضائية، وظروف الانتقال إلى منزل المعني بالأمر، وطبيعة الخلافات السابقة، وكذا ظروف الاستماع داخل مقر الفرقة الوطنية، والمسؤوليات الإدارية والمهنية المرتبطة بذلك، إن وجدت.
اليوم، ومع اتساع دائرة النقاش العمومي، لم يعد الصمت خيارا. فالرأي العام يحتاج إلى بلاغات رسمية دقيقة ومتواصلة تضع حدا للتأويلات، بدل ترك المجال لمصادر غير رسمية أو مبادرات فردية لا تمثل المؤسسات.
لأن الفراغ في المعلومة لا يحمي المؤسسات… بل يترك المجال للروايات كي تصنع واقعها الخاص.
التعليقات مغلقة.