الانتفاضة
في زمن تُسوَّق فيه الشعارات عن “حكومة الكفاءات”، يطفو إلى السطح نموذج يثير كثيراً من علامات الاستفهام حول معايير التعيين وتحمل المسؤولية داخل بعض القطاعات. اسم صلاح الدين عبقري، رئيس شبيبة حزب الأصالة والمعاصرة، أصبح في نظر منتقدين عنواناً لصعود إداري وسياسي سريع، يختزل ما يصفونه بحالة “السيبة” في تدبير المناصب العمومية، تحت إشراف وزير الثقافة محمد المهدي بنسعيد الذي لا يختلف مساره عن مسار عبقري كثيرا.
المعطيات المتداولة تشير إلى انتقال عبقري في ظرف وجيز من موظف بوزارة الداخلية إلى الالتحاق بوزارة الثقافة، ثم مستشاراً، فمديراً للشؤون الإدارية والمالية، وصولاً إلى منصب الكاتب العام بالنيابة. مسار يعتبره منتقدوه صعوداً صاروخياً لا يوازيه، بحسب رأيهم، تراكم مهني أو تجربة إدارية طويلة تبرر حجم المسؤوليات التي أُسندت إليه، خاصة أن منصب الكاتب العام يُعد من أكثر المواقع حساسية داخل أي وزارة، بحكم إشرافه المباشر على التدبير الإداري والمالي.
الانتقادات لا تقف عند حدود المسار الشخصي، بل تمتد إلى طريقة تدبير ملفات كبرى داخل الوزارة، من بينها صفقات مرتبطة بتنظيم المعرض الدولي للكتاب بعد نقله من الدار البيضاء إلى الرباط، بميزانيات وُصفت بأنها مرتفعة مقارنة بالدورات السابقة “وكان عبقري قد أشر على ميزانيته وفق توجيه فوقي”.ويعتبر أصحاب هذا الطرح أن تزامن هذه الملفات مع إعادة توزيع المناصب داخل الوزارة يعزز الشكوك حول تغليب منطق القرب والولاء على معايير التنافس والشفافية.
قانونياً، ينص الدستور المغربي على ربط المسؤولية بالمحاسبة، كما تؤطر النصوص التنظيمية مبادئ تكافؤ الفرص والشفافية في الولوج إلى مناصب المسؤولية داخل الإدارة العمومية. غير أن ما يثير الجدل، وفق منتقدي الوضع القائم، هو اللجوء المتكرر إلى صيغ “النيابة” أو التعيينات المؤقتة التي تتحول عملياً إلى وضع دائم، دون المرور بمساطر تنافسية واضحة ومعلنة للرأي العام.
في المقابل، يعيش آلاف حاملي الشهادات العليا من أبناء الطبقات المتوسطة والشعبية أوضاعاً مهنية صعبة، ويخوض بعضهم احتجاجات متكررة للمطالبة بالإدماج أو تسوية الوضعيات.. هذه المفارقة، بين بطء مسارات الكفاءات الأكاديمية وتسارع مسارات المقربين سياسياً، تغذي شعوراً عاماً بالغبن وتعمّق أزمة الثقة في العمل السياسي والإداري.
الرهان اليوم لا يتعلق بشخص بعينه، بل بصورة المؤسسات ومصداقية الخطاب الرسمي حول الاستحقاق والشفافية. فإذا كانت المناصب العليا تُفصَّل على مقاس الثقة الشخصية، فإن الخاسر الأكبر لن يكون خصوم الوزير أو معارضيه، بل فكرة الدولة العادلة نفسها.
التعليقات مغلقة.