الانتفاضة ///////////// توفيق بوعشرين
هناك أحداث صغيرة وجمل قصيرة تختصر أكبر الحكايات وأعقد الروايات.
وهذا ما بدا لي من بعيد، وأنا أسمع وجهًا سياسيا لم يعرف إلا اتحاديًا، يقرر الترشح في الانتخابات المقبلة على قوائم حزب التقدم والاشتراكية.
ما السبب يا ترى؟
للأسف، لا يسأل أحد اليوم هذا السؤال ..
أطر اتحادية كثيرة ومناضلين كبارًا اعتكفوا في بيوتهم واعتزلوا السياسية على الذهب الادريسي …
لأن الجواب معروف ومتواتر وشبه مجمع عليه …
انها اخطاء كثيرة بدأت على الأقل من دخول الاتحاد إلى حكومة جطو وعدم الذهاب إلى المعارضة بدعوى إكمال أوراش وهمية لم تكن سوى في مخيلة تيار الاستوزار داخل الاتحاد باي ثمن ..
ثم اكتملت الدائرة مع سيرة إدريس الرابع، في حزب ما عادت الوردة ترمز إليه، وما عاد هو يشبهها.
نحن امام حزب مستنسخ جديد تماما…
مع إدريس، كل شيء موجود سوى الورود البنفسجية ، واليسار الاجتماعي، والقيم الاتحادية والمعارضة المبدئية من أجل دمقرطة الدولة والمجتمع كان هذا أيام زمان الأن صار الحزب (كارتيلًا عائليًا يجمع أصحاب المصالح ولا شيء غير المصالح).
لا أذكر عبد الهادي خيرات إلا وتحضر أمامي صورته وهو شاب جالس عند رجلي الزعيم عبد الرحيم بوعبيد في سجن لعلو بالرباط ، وكأنه يتعلم دروس الوطنية والنضال والصلابة في الموقف والجرأة في التفكير من الزعيم ، ومعنى صرخة عبد الرحيم في المحكمة:
«ربّ السجن أحبّ إليّ مما يدعونني إليه»،
وكان يقصد بـ«يدعونني إليه» هنا الدعوة إلى التزام الصمت على قرار استراتيجي خاطئ، يتمثل في قبول الملك الحسن الثاني بإجراء استفتاء في الصحراء في قمة نيروبي بكينيا سنة 1981 .
خيرات لم ينزل من سفينة الاتحاد، فهذا مجاز مضلل.
لم يعد في القصة اتحاد، ولا سفينة، ولا حزب، ولا نضال.
الاتحاد مات منذ مدة، ولم يُدفن، ولم تُنظَّم له جنازة تليق به.
فجاء إدريس الرابع ومن معه، وبدل أن يكرموا الميت بدفنه، ويترحموا على الراحل، ويتركوه يرتاح في قبره، قاموا بتحنيط الجثة، وإعادة تدوير تاريخها في آلة لا تشبهها، من أجل عمل سياسي مدرٍّ للدخل، وللوجاهة، ولشبكة العلاقات، وللأصل التجاري لا السياسي.
هذه هي القصة ببساطة، لا تحتمل مزيدًا من مجاز مقلي في زيت الأدب السياسي القديم .
ما ترونه أمامكم من عناوين ومقرات وهيآت وقوات شعبية… ما هي إلا أسماء سمّاها إدريس ومن معه، للاستثمار في أعضاء الموتى، مما يأنف منه كل ذي ذوق.
الحقيقة أن الاتحاد الجديد هو الذي غادر سفينة الحزب الذي بناه الأولون بالدم والعرق والدموع، وبالشهداء والمنفيين والمعتقلين ومجهولي المصير، هذه هي الحقيقة بعيدا عن اية ونوستالجيا رومانسية …
كيف سيجلس خيرات على مقعد واحد في المكتب السياسي مع عائشة الگلاع، مثلًا، في الحزب نفسه؟
هذه صورة وحدها تبعث على الحزن، وعلى اليأس، والحسرة من المآل الذي انتهى إليه الاتحاد، الذي تحول من معقل للأحرار إلى وكر تُطبخ فيه المؤامرات الصغيرة وأعمال المناولة القذرة …
عندما سئل خيرات في الصحافة عن أسباب الترشح على قائمة التقدم والاشتراكية لم يُتعب نفسه في البحث عن أسباب سياسية، أولا تعقيدات ايديولوجية أولا انحرافات تنظيمية لا لا لا ادخل يده في جيبه وأخرج سببا واحدا كافيا لرد كل سؤال واخماد كل اعتراض قال : ( لم يترك إدريس واحدا من قادة الحزب فيه رائحة من عطر محاربة الفساد إلا عصف به وطرده من الحزب)
فلا مكان للمتطهرين من الفساد تحت سقف حزب الاتحاديون الجدد …هذه اضافة من عندي لم يقلها خيرات …
لما اعتقلت سنة 2018، ومثلت أمام هيئة الحكم دون المرور من محطة قاضي التحقيق، يوم الثامن من مارس (والتاريخ هنا ماكر دعائي وليس صدفة قضائية)، وجدت أن السيد إدريس لشكر قد سبقني إلى غرفة الجنايات رقم 8 بمحكمة الاستئناف بالدار البيضاء.
لقد بعث عشرين محاميًا اتحاديًا، يا حسرة، لينتصبوا ضدي، وهم لم يقرؤوا بعدُ المحاضر، ولا عرفوا المشتكي من المصرّح، من الضحية، ومن الوافد على الملف دون صفة…
إلى درجة أن منظر المحامين الاتحاديين وهم يطوفون في القاعة بحثا عن أية امرأة وقعت أعينهم المتلهفة عليها، يسألونها: هل أنتِ ضحية بوعشرين؟ فتجيب: لا، أنا صحافية، أو أنا حقوقية او أنا مراقبة او أنا من عائلة الصحافي المعتقل ظلمًا وعدوانًا، فيرجعون خائبين…جاءوا يدافعون عن موكلات لا يعرفنهن ! لكنهم يعرفون صاحب (دعوتهم)(
كان منظرًا يبعث على الألم والحسرة: كيف صار محامو الاتحاد كالقروش التي تتبع رائحة الدم في البحر، فتحيط بالجسم الجريح لتتغذى على جثته!
لما خرجت من السجن، التقيت واحدة من كتيبة (الإعدام الرمزي) التي كانت مشاركة في المسرحية ، بتكليف من إدريس لشكر.
طلبت مني شيئين فهمت الاول واستغربت للثاني :
طلبت مني المحامية الاتحادية الاعتذار عن الدور الذي قامت به في تلك المحاكمة العجيبة التي خرجتُ منها بخمس عشرة سنة سجنًا نافذا ، قضيت نصفها وراء القضبان ولولا القرار الملكي لبقيت هناك إلى اليوم .
وبررت ذلك بأنها لم تكن تعرف خبايا القضية ولا أسرارها، وأنها بمجرد ما عرفت الأهداف الحقيقية من وراء جرّي لمحاكمة ما زالت مستمرة في إعلام التشهير وأوكار الخفافيش إلى اليوم، انسحبت من «الدفاع» ولم ترجع إلى المحكمة قط، وهي تطلب من الله أن يغفر لها ما قامت به من أدوار لا تمت للمحاماة ورسالتها بصلة.
ثم طلبت مني طلبًا ثانيًا: أخذ صورة مع ابنها وابنتها للذكرى…
وفعلت دون تردد…
هذه قصة صغيرة من الأدوار المثيرة التي أوكلت إلى إدريس لشكر باسم اتحاد كان منارة للدفاع عن حقوق الإنسان، وحرية الصحافة، والمحاكمة العادلة، وكان محاموه حائط الصد الأخير في مغرب سنوات الجمر الرصاص…
هل لاحظتم أني لا أتحدث عن الاتحاد إلا بزمن الماضي وبالاستعانة بكان واخواتها وبنات عماتها …
رمضان كريم …
التعليقات مغلقة.