اجتماع حاسم حول نزاع الصحراء يمهد لجولة مفاوضات فاصلة في مارس

الانتفاضة/ سلامة السروت

في واحدة من أكثر المحطات توترا منذ اندلاع نزاع الصحراء، بدا الاجتماع الأخير بين الأطراف المعنية وكأنه لحظة فاصلة في مسار قضية استمرت لعقود واستنزفت طاقات المنطقة سياسيا وأمنيا وتنمويا. لم يكن لقاء بروتوكوليا عابرا، بل مواجهة سياسية مباشرة، اختلطت فيها الحسابات الدبلوماسية بالضغوط الدولية، وبرزت خلاله مواقف واضحة وحادة، تكشف أن الصبر الدولي بدأ ينفد، وأن الوقت بات يميل نحو حل نهائي بدل إدارة أزمة مفتوحة.

الوفد المغربي دخل الاجتماع بثقة واضحة، مستندا إلى ما يعتبره تحولا نوعيا في ميزان المواقف الدولية. الرباط تمسكت مرة أخرى بمبادرة الحكم الذاتي باعتبارها الحل الواقعي والنهائي للنزاع، وهي المبادرة التي باتت تحظى، وفق الدبلوماسية المغربية، بدعم متزايد من قوى مؤثرة، على رأسها الولايات المتحدة وإسبانيا. خطاب المغرب لم يعد دفاعيا كما في السابق، بل اتسم بنبرة حاسمة: لا عودة إلى أطروحات الاستفتاء أو الحلول الرمادية، والسيادة الكاملة للمملكة على أقاليمها الجنوبية خط أحمر.

هذا التحول في الثقة المغربية لا يأتي من فراغ. فمنذ اعتراف واشنطن بسيادة المغرب على الصحراء، مرورا بموقف مدريد الداعم لمقترح الحكم الذاتي، وصولا إلى تنامي التأييد داخل عدد من العواصم الأوروبية والإفريقية، باتت الرباط ترى أن اللحظة الدولية مواتية لترجمة هذا الزخم السياسي إلى تسوية نهائية على الأرض. لذلك ركز الوفد المغربي، خلال الاجتماع، على ضرورة الانتقال من مرحلة النقاش النظري إلى مرحلة التنفيذ العملي.

في المقابل، بدا الموقف الجزائري أكثر حذرا وتعقيدا. الجزائر وافقت مبدئيا على خريطة الطريق المقترحة، لكنها طلبت مهلة إضافية بدعوى “التهيئة الداخلية” وضرورة التشاور مع مختلف الأطراف. هذا الطلب فسر من قبل مراقبين على أنه محاولة لكسب الوقت أكثر منه تحفظا إجرائيا. فالملف بالنسبة للجزائر ليس مجرد قضية خارجية، بل يرتبط بتوازنات داخلية دقيقة وبحسابات إقليمية متشابكة، خاصة فيما يتعلق بعلاقتها بجبهة البوليساريو.

التحدي الأكبر الذي تواجهه الجزائر يتمثل في كيفية التوفيق بين خطابها التقليدي الداعم لـ”حق تقرير المصير” وبين التحولات المتسارعة في المواقف الدولية. فقبول مسار يقود عمليا إلى الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية قد ينظر إليه داخليا كتنازل استراتيجي، ما يضع القيادة الجزائرية أمام معادلة صعبة: الاستمرار في التشدد مع خطر العزلة، أو الانخراط في حل وسط مع ما يحمله من كلفة سياسية.

أما جبهة البوليساريو، فهي الطرف الأكثر قلقا في هذا المشهد. فكلما اقترب النقاش الدولي من خيار الحكم الذاتي، تقلص هامش المناورة أمامها. دعوة إسبانيا الصريحة للبوليساريو إلى استغلال “الفرصة التاريخية” والعودة إلى أرض الوطن تعكس تحولا في الخطاب الأوروبي من الحياد التقليدي إلى الدفع نحو تسوية عملية. وهو تحول يضع الجبهة أمام واقع جديد: إما الانخراط في الحل المقترح أو المخاطرة بالتهميش السياسي.

اللافت أيضا في الاجتماع كان الدور الأمريكي. المبعوث الأمريكي لم يترك مساحة للغموض، مؤكدا أكثر من مرة أن الحكم الذاتي هو الخيار الوحيد القابل للتطبيق لإنهاء النزاع. هذه الرسالة تعكس إرادة واشنطن في طي هذا الملف الذي طال أمده، خاصة في ظل متغيرات إقليمية ودولية تجعل الاستقرار في شمال إفريقيا أولوية استراتيجية، سواء من زاوية مكافحة الإرهاب أو أمن الطاقة أو التنافس الجيوسياسي في القارة الإفريقية.

الدعم الأمريكي لا يفهم فقط كاصطفاف سياسي، بل كضغط مباشر لتسريع التسوية. فالولايات المتحدة باتت ترى أن استمرار النزاع يعرقل فرص التكامل الاقتصادي في المغرب العربي ويبقي المنطقة رهينة للتوترات، في وقت تحتاج فيه إلى شركاء مستقرين وفاعلين. لذلك جاء خطابها حاسمًا: لا بديل عن حل واقعي، ولا مجال لإطالة أمد المفاوضات إلى ما لا نهاية.

موريتانيا، بدورها، تبنت مقاربة براغماتية، مؤكدة أن أي حل متوافق عليه سيعود بالنفع على المغرب العربي ككل. هذا الموقف يعكس إدراكا متزايدا بأن استمرار النزاع يضر بالجميع، ويمنع قيام فضاء إقليمي متكامل اقتصاديا. فغياب التنسيق بين دول المنطقة كلفها فرصا استثمارية وتجارية ضخمة، وجعلها أقل قدرة على مواجهة التحديات المشتركة.

في نهاية الاجتماع، تم الاتفاق على مواصلة الحوار وتحديد لقاء ثانٍ في مارس المقبل لوضع اللمسات الأخيرة والانتقال إلى مرحلة التنفيذ. ورغم أن البيان الختامي جاء دبلوماسيا ومتحفظا، إلا أن الأجواء العامة أوحت بأن هامش التأجيل يتقلص، وأن المجتمع الدولي بات ينتظر نتائج ملموسة لا جولات جديدة من التصريحات.

يبقى السؤال المطروح: هل يشكل مارس المقبل محطة الحسم الفعلية، أم مجرد فصل جديد من مسلسل التفاوض الطويل؟ الإجابة تتوقف على مدى استعداد الأطراف لتقديم تنازلات واقعية. فالمغرب يبدو مصممًا على تثبيت مكاسبه السياسية، والجزائر مطالبة بإعادة تقييم حساباتها، والبوليساريو أمام اختبار وجودي حقيقي.

المؤكد أن الزمن لم يعد يعمل لصالح استمرار الوضع القائم. التحولات الدولية، وضغوط القوى الكبرى، وتعب المنطقة من صراع بلا نهاية، كلها عوامل تدفع نحو تسوية. وربما للمرة الأولى منذ سنوات، يبدو أن الحل أقرب من أي وقت مضى.

لكن كما هي الحال دائما في النزاعات المزمنة، فإن اللحظات الحاسمة لا تقاس بالكلمات بل بالقرارات. ومارس المقبل قد لا يكون مجرد موعد جديد، بل تاريخا يكتب فيه فصل أخير من أحد أطول ملفات النزاع في المنطقة… أو بداية مرحلة مختلفة بالكامل.

التعليقات مغلقة.