حين تتقدم المصالح على الخطابات: رسالة أبوظبي–القاهرة إلى الجزائر

الانتفاضة/ ابراهيم أكرام

في غضون أربعٍ وعشرين ساعة فقط، وجد قصر المرادية نفسه أمام درسٍ قاسٍ في واقعية السياسة، بعدما اصطدمت حساباته الدبلوماسية بواقع التحالفات الإقليمية الصلبة. فبينما اختار الرئيس عبد المجيد تبون توجيه رسائل ود مبالغ فيها نحو القاهرة، بالتوازي مع تصعيد لافت ضد أبوظبي، جاءت الصورة من الميدان معاكسة تماما: الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في زيارة رسمية إلى الإمارات، في مشهد يلخص عمق الشراكة بين البلدين ويبعث برسالة سياسية لا لبس فيها.

هذا التناقض لم يكن مجرد صدفة بروتوكولية، بل كشف خللا في قراءة المشهد العربي. فالسياسة الخارجية لا تدار بمنطق الاستقطاب أو المناورات الظرفية، بل تبنى على مصالح استراتيجية ثابتة وثقة متراكمة. محاولة التقرب من طرف مع مهاجمة شريكه الوثيق تبدو مقامرة غير محسوبة، خصوصا في منطقة ترتكز علاقاتها على تشابك اقتصادي وأمني متين.

الرهان الجزائري بدا وكأنه قائم على فرضية إمكانية الفصل بين القاهرة وأبوظبي، أو على الأقل تحييد أحدهما. غير أن الواقع أثبت أن التحالفات الكبرى في المنطقة أعمق من أن تهزها تصريحات إعلامية أو خطابات انفعالية. فالعلاقات المصرية-الإماراتية ليست علاقة ظرفية، بل شراكة استراتيجية ممتدة في ملفات الأمن الإقليمي والطاقة والاستثمار، ما يجعل أي محاولة للوقيعة بينهما ضربا من سوء التقدير السياسي.

الأزمة هنا ليست في الموقف ذاته بقدر ما هي في الأسلوب. فالدبلوماسية الرصينة تقوم على الهدوء وتراكم الثقة وتجنب الصدامات غير الضرورية. أما لغة الهجوم والرسائل المتناقضة فتخلق عزلة ذاتية وتفقد الدولة قدرتها على التأثير. وعندما تتحول السياسة الخارجية إلى ردود فعل آنية، تصبح التحركات مكشوفة ونتائجها محدودة.

اليوم، تبدو الجزائر أمام مفترق طرق: إما مراجعة أدواتها الدبلوماسية واعتماد مقاربة أكثر براغماتية تراعي شبكة المصالح العربية المتداخلة، أو الاستمرار في سياسة التصعيد التي قد تعمق عزلتها الإقليمية. فالمنطقة لم تعد تحتمل حسابات عاطفية أو رهانات تكتيكية قصيرة المدى.

في النهاية، تؤكد التجربة أن من لا يحسن قراءة خريطة التحالفات، قد يجد نفسه يسير فوق أرض مليئة بالألغام الدبلوماسية. والسياسة، كما يعلم الجميع، لا ترحم من يخطئ تقدير المسافات.

التعليقات مغلقة.