دولةٌ مواطِنَة بِشَعْبٍ مُواطِن

الانتفاضة/ صلاح بوسريف

عرفنا أغنياء الحرب، من انتعشت أموالهُم وتجارتُهم في الحروب لا تعنيهم مآسي النَّاس، ولا ما يعيشون فيه من رُعْبٍ وجُوعِ وعراء، وهؤلاء هُم بَشَر لم يخرجُوا من نزوعهم البَهِيمِيّ المُتَوحِّش، ولا هُم عرفوا ما يعنيه الإنْسَان، وما تعنيه الإنسانيَّة، وجُودُهُم، وما يكسبونه هو كُلُّ شيء عندَهُم، أما الوطن، وروح التَّضَامُن والتَّكافُل، فلا يعنيانهما في شيء، عيونُهُم تكون فقط على الثَّرْوَات والمكاسب، بنتهزون المَآسِي، يعتبرونها سُوقاً، يعرفون كيف يستثمرون فيها بما يفوق أثمان السِّلَع والبضائع، وما يحتكرونه منها، لتصير بأضعاف أضعاف ما كانت عليه قبل الحرب.

ما الفرقُ بين هؤلاء، وبين من نراهُم اليوم، في حَرْبِ الطبيعة على الإنسان، يستعملون كُلّ الحِيَل والمكائد لنقل النَّاس، بما يفُوق ثمن النَّقْل، ويُتَاجِرُون بِكُلِّ ما يحتاجُه النَّاس من طعامٍ وشرابٍ، ومن وسائل للتَّدْفِئَة، أو للنوم والإقامة، للاحتماء من البَرْدِ، بل من الصَّقِيعِ، هؤلاء من تركوا وراءهُم بيوتَهُم، وأثاثهم، وما كانوا عليه من استقرار، لولا تدخُّل الدولة، لا الحكومة التي بقيت تتفرَّجُ، وتُدَبِّج خُطَبَ التَّضامُن، دون أن تفعل شيئاً على الأرض.

تعليمات الملك، كانت حاسِمَةً في وجُود الجيش بعتاده وآلياته على الأرض، وبوجود الأمن، وتوفير السَّكَن والطَّعام للنَّاس، وبإجلاء هؤلاء عن مناطق الخَطَر والغَرَق، وبوضعهم، في الظُّروف الصَّعْبَة والقاسية التي هُم فيها، في أماكن تُتِيحُ لهم بعض الأمن والاستقرار، إلى حين انتفاء الخَطَر واختفائه. أمَّا من كان عليهم أن يكونُوا هيَّئُوا المُدُن والقُرَى والجِهاتِ، وأوجدوا فيها ما تحتمي به من بنيات تحتية، ومن وسائل وآلياتٍ وعتاد للتَّدخُّل السَّريع في حالات الخَطَر، كيفما كان، من الطبيعة أو من الإنسان، من جماعات تُرابية ومُنْتَخَبِين، من الأحزاب التي تتولَّى أمر تدبير هذه الجماعات والقُرَى والجهات، فلو اتَّكَأَ عليهم النَّاس وانتظروهم، لكانوا غرقُوا وهلكوا، وضاعت بيوتهم، وبهائمهم، وضاعت أرزاقُهُم، وتاجَر فيهم من يَقْتاتون من المآسي والأزمات، ويغتنون منها، وهؤلاء يوجدون بيننا، مثل القوارض التي تنتظر، في أعلى قِمَم الجبالِ، أن تَشْتَدَّ الأزماتُ، بل ينفخون في جَمْرِها، ليَنْقَضُّوا على الأسواق يعيثون فيها فساداً، لا فرق بينهم وبين أغنياء الحروب، بل هُم أغنياء حُرُوبٍ، ومآسٍ، وأزماتٍ، وهؤلاء هُم أكبر عدوّ للوطن، وللإنسان، مثلهم، في ذلك، مثل من كانوا يتعاونون مع الاستعمار، من الخَوَنَة، من كانوا السبب في سجن وإعدام العديد من الوطنيين الكبار، باعُوا دَمَهُم للشيطان.

ثمَّة ما لا ننتبه إليه في خِضَمّ هذا الوضع القاسي من بُسطاء المواطنين من أبناء الشعب، من الطبقات البسيطة، من فتحوا بيوتهم للنَّازِحِين، ومن حملوا إليهم الطَّعام، ومن تضامُنوا معهم بنقلهم بالمجَّان من مكان إلى آخر، أو من مدينة إلى أخرى، وثمَّة من هيَّأ لهُم الفِراش والغِطاء واللِّباس والطَّعام والسَّكَن، كُل بقدر ما استطاع، وهؤلاء هُم من رأيناهم في زلزال الحوز يفعلون نفس الشيء، بل يُغامرون، دون حسابٍ للخَطَر، ليس تظاهُراً، بل لما نُفُوسِهِم من روح إنسانيَّة عالية، وما نشأوا عليه من تربيَّة على التَّضامُن والتَّآزُر والتَّقاسُم.
فالوطن هو الدولة، حين تكون دولةً مواطِنَةً، ودولةً اجتماعيَّة، لا بما تبجَّحُ به الحكومة من شعارات فارغة، ومن خِطابات التَّضامُن الجوفاء التي انْكَشَف عنها الغِطاء، بل بما يكون عملاً على الأرض، وفي لحظة وقُوع الحَدَث. والوطن هو الشعْبُ أو الإنسان المواطِن، من لا ينتظر تفاقُم الكارثة، يتفرَّجُ على أهوالها، ذلك الشعب أو الإنسان المواطن الذي يُنْفِق من القليل على الكثيرين، لا من يتصيَّد الأزمات والحُرُوب والكوارث لِيُنْفِق النَّاس عليه، أو لِيَبْتَزَّهُم، ويتفرَّج على بؤسهم، وما هُم فيه من غَرَقٍ وإجلاء.

التعليقات مغلقة.