الانتفاضة/ أكرام
دخل حزب التجمع الوطني للأحرار، مساء السبت 07 فبراير، مرحلة سياسية وتنظيمية جديدة بانتخاب محمد شوكي رئيسا للحزب، خلال أشغال المؤتمر الاستثنائي المنعقد بمركز المعارض محمد السادس بمدينة الجديدة. انتخاب جاء في سياق خاص، يطوي صفحة عقد كامل من قيادة عزيز أخنوش، ويفتح الباب أمام قيادة جديدة مطالبة بالحفاظ على زخم الحزب ومكانته المتقدمة في المشهد السياسي المغربي.
ووفق ما أُعلن رسميا من منصة المؤتمر من طرف رئيس اللجنة التحضيرية، راشيد الطالبي العلمي، فقد حصد شوكي 1910 أصوات صحيحة من أصل 1933 صوتا معبرا عنه، فيما سجلت 23 ورقة ملغاة. وهي نتيجة تعكس إجماعا تنظيميا واضحا حول المرشح الوحيد، وتؤكد أن مسار انتخابه تم في أجواء توافقية، بعيدا عن أي تنافس داخلي أو انقسامات ظاهرة.
العلمي شدد، خلال الإعلان عن النتائج، على أن عملية الفرز جرت في إطار من الشفافية القانونية، وتم توثيقها بمحضر رسمي بحضور ثلاثة مفوضين قضائيين، في خطوة هدفت إلى تكريس مصداقية العملية الانتخابية وتعزيز صورة الحزب كمؤسسة تعتمد المساطر التنظيمية الواضحة.
المؤتمر الاستثنائي، الذي حضره أزيد من ألفي مؤتمر ومؤتمرة من مختلف جهات المملكة، لم يكن مجرد محطة إجرائية لانتخاب رئيس جديد، بل شكل لحظة رمزية فارقة في تاريخ “الحمامة”. فبعد كلمة وداعية مؤثرة لعزيز أخنوش، فتحت مباشرة عملية التصويت باعتبارها النقطة الأولى في جدول الأعمال، ما يعكس أهمية هذا التحول القيادي في مسار الحزب.
وقد جرى تنظيم الاقتراع وفق توزيع جهوي دقيق، مع تخصيص مكاتب تصويت حسب الانتماء الترابي للمؤتمرين، بما يشمل جهات المملكة الاثنتي عشرة، إضافة إلى “الجهة 13” الخاصة بمغاربة العالم، في احترام لما ينص عليه النظام الأساسي للحزب. هذا التنظيم اللوجستي يعكس حجم الرهان الذي يضعه التجمع الوطني للأحرار على البناء المؤسساتي والانضباط التنظيمي.
ويأتي انتخاب شوكي تتويجا لقرار سابق اتخذه عزيز أخنوش في يناير الماضي بعدم الترشح لولاية ثالثة، التزاما بمقتضيات القانون الأساسي للحزب الذي يحدد سقف ولايتين متتاليتين لرئيسه. وهو قرار اعتبره متابعون رسالة إيجابية في اتجاه ترسيخ ثقافة التداول على المسؤولية داخل الأحزاب السياسية، في مشهد حزبي طالما طبع بسيطرة الزعامات الطويلة الأمد.
لكن أهمية هذه اللحظة لا ترتبط فقط بتغيير الأسماء، بل بالسياق السياسي العام الذي يعيش فيه الحزب. فالتجمع الوطني للأحرار لم يعد مجرد مكون سياسي عادي، بل يقود الأغلبية الحكومية الحالية منذ انتخابات 2021، ويتحمل مسؤولية تدبير ملفات اجتماعية واقتصادية معقدة، تتراوح بين غلاء المعيشة، وإصلاحات قطاعية كبرى، وتحديات مناخية وتنموية متزايدة.
من هنا، فإن الرئاسة الجديدة لشوكي لا تنطلق من أرضية حزبية فقط، بل من مسؤولية سياسية وطنية أوسع. فالرجل، الذي يشغل عضوية المكتب السياسي ومنسقا جهويا بجهة فاس-مكناس، يجد نفسه اليوم أمام تحدي الحفاظ على التماسك الداخلي للحزب، وضمان استمرارية الدينامية التنظيمية التي بناها أخنوش، وفي الوقت نفسه المساهمة في تحسين صورة الأداء الحكومي لدى الرأي العام.
فخلال السنوات الأخيرة، استطاع الحزب أن يتحول إلى قوة انتخابية أولى، مستفيدا من انتشار تنظيمي واسع واستراتيجية تواصلية محكمة، لكنه واجه أيضا انتقادات متكررة مرتبطة بتدبير الشأن العام وبمدى القرب من هموم المواطنين. وهي معادلة دقيقة تجعل القيادة الجديدة مطالبة بالموازنة بين منطق الحزب ومنطق الحكومة.
وتكمن إحدى أبرز رهانات المرحلة المقبلة في قدرة شوكي على تعزيز حضور الحزب ميدانيا وتواصليا، وتجديد نخبته، وفتح المجال أمام كفاءات شابة، بما يضمن استمرارية المشروع السياسي وعدم ارتهانه لمرحلة أو شخص بعينه. فنجاح أي حزب لا يقاس فقط بفوزه الانتخابي، بل بقدرته على التجدد الذاتي واستباق التحولات المجتمعية.
كما أن انتخابه مرشحا وحيدا يطرح، من زاوية أخرى، تحدي بناء شرعية سياسية وشعبية أوسع داخل القواعد وخارجها. فالتوافق الداخلي يوفر انطلاقة مريحة، لكنه يتطلب لاحقا أداء فعليا يثبت القدرة على القيادة وصناعة القرار في لحظات دقيقة.
في المحصلة، يمكن القول إن مؤتمر الجديدة دشن انتقالا قياديا هادئا داخل حزب التجمع الوطني للأحرار، انتقالا يحمل الكثير من الدلالات التنظيمية والسياسية. فبين وداع أخنوش، الذي طبع مرحلة كاملة من تاريخ الحزب، وصعود شوكي، الذي يمثل جيلا جديدا من القيادة، تقف “الحمامة” اليوم أمام منعطف جديد.
مرحلة عنوانها الأساسي: الحفاظ على المكتسبات، وتجاوز التحديات، وتحويل القوة التنظيمية إلى ثقة شعبية متجددة. وهي مهمة لن تكون سهلة، لكنها ستكون حاسمة في رسم ملامح الحزب خلال السنوات المقبلة، وفي تحديد موقعه داخل الخريطة السياسية الوطنية.
وبين الأمس واليوم، يبقى السؤال مطروحا: هل ينجح شوكي في كتابة فصل جديد يرسخ التجمع الوطني للأحرار كحزب مؤسسات قوي ومستدام؟ أم أن صعوبة المرحلة ستفرض حسابات مختلفة؟ الإجابة، كما هو الحال دائمًا في السياسة، ستُكتب على أرض الواقع لا فوق منصات المؤتمرات.
التعليقات مغلقة.