أمطار المغرب تثير سخرية رسمية جزائرية وسط تساؤلات حول الواقع الداخلي

الانتفاضة/ م. السعيد بريس

في مشهد يثير الاستغراب أكثر مما يثير الجدل، اختارت وكالة الأنباء الجزائرية أن تجعل من التساقطات المطرية التي شهدتها المملكة المغربية مادة للسخرية والتشفي، بدل تناولها من زاوية مهنية تراعي أخلاقيات العمل الصحفي وروح التضامن الإنساني التي يفترض أن تسود بين الشعوب في مواجهة الكوارث الطبيعية. خطاب بدا أقرب إلى الدعاية السياسية منه إلى الإعلام، محملا بنبرة استهزاء لا تنسجم مع طبيعة الأحداث ولا مع حجم التحديات التي تفرضها الظواهر المناخية الاستثنائية على كل الدول دون استثناء.

فالأمطار الغزيرة والفيضانات ليست شأنا مغربيا خالصا يمكن توظيفه في المناكفات الإعلامية، بل هي ظاهرة كونية تضرب مختلف مناطق العالم، بما في ذلك دول تملك إمكانات هائلة وبنيات تحتية متطورة. وفي كل مرة، يكون التحدي الحقيقي هو سرعة الاستجابة وفعالية التدخلات الميدانية للحد من الخسائر البشرية والمادية، لا تحويل المعاناة إلى مادة للشماتة.

الواقع على الأرض أظهر أن السلطات المغربية، بمختلف أجهزتها، تحركت بسرعة لافتة فور تسجيل الاضطرابات الجوية. فقد جرى تسخير الوقاية المدنية والقوات العمومية والسلطات المحلية، إلى جانب تعبئة الآليات اللوجستيكية لفتح الطرق المتضررة، وإنقاذ المحاصرين، وتصريف المياه، وتأمين الأحياء السكنية. هذه الاستجابة الاستباقية ساهمت بشكل واضح في تفادي وقوع خسائر في الأرواح، وهو المؤشر الأهم في مثل هذه الظروف.

وتؤكد تجارب دول عديدة أن التحكم الكامل في تداعيات الفيضانات أمر شبه مستحيل، حتى في المدن الكبرى المجهزة بأحدث أنظمة الصرف والبنيات التحتية المتقدمة. فكيف إذا تعلق الأمر بتساقطات استثنائية تفوق المعدلات الطبيعية بأضعاف؟ لذلك، فإن تقييم الأداء يجب أن ينطلق من معيار الحد من الأضرار وحماية الأرواح، لا من صور سطحية لمياه غمرت بعض الشوارع هنا أو هناك.

غير أن الوكالة الجزائرية اختارت زاوية مغايرة تماما، متجاهلة هذه الحقائق، ومركزة على إبراز مشاهد جزئية خارج سياقها، في محاولة لرسم صورة قاتمة ومبالغ فيها. هذا الأسلوب يعكس أزمة خطاب أكثر مما يعكس أزمة واقع، إذ يكشف عن نزعة متكررة نحو توظيف كل حدث داخلي في المغرب كفرصة لتصفية حسابات سياسية وإعلامية، بدل الالتزام بالحد الأدنى من المهنية.

المفارقة الأكبر أن هذا الخطاب المتشفي يتغاضى عن أوضاع داخلية لا تقل خطورة، بل ربما أشد قسوة على المواطنين. فعدة مناطق جزائرية لا تزال، وفق شهادات محلية وتقارير متداولة، تعاني من آثار فيضانات خلفت أوحالا وأضرارا جسيمة في البنيات السكنية والطرق، دون أن تحظى بالدعم الكافي أو التعويضات اللازمة. بعض القرى بقيت لأيام طويلة في عزلة شبه تامة، فيما ظل السكان يواجهون مصيرهم بإمكانات محدودة.

بدل تسليط الضوء على هذه الاختلالات والعمل على مساءلة الجهات المعنية حول أسباب البطء في التدخل أو غياب خطط ناجعة للتكفل بالمتضررين، فضل الإعلام الرسمي هناك الهروب إلى الأمام عبر مهاجمة الجار. وكأن السخرية من الآخرين يمكن أن تحجب معاناة الداخل أو تبرر القصور في تدبير الأزمات.

الأكثر إثارة للقلق هو أن بعض ردود الفعل تجاه الاحتجاجات المحلية في المناطق المتضررة اتخذت طابعا أمنيا صرفا، حيث جرى التعامل مع مطالب المواطنين في بعض الحالات بمنطق الردع بدل الإغاثة، وبالهراوات بدل الحلول العملية. هذا الأسلوب لا يعالج جوهر المشكل، بل يعمّق الإحساس بالتهميش ويزيد من فجوة الثقة بين المواطن والمؤسسات.

وإذا كان الإعلام مرآة لواقع المجتمعات، فإن الانشغال بمهاجمة الآخرين يكشف في كثير من الأحيان عن عجز في مواجهة الأسئلة الحقيقية في الداخل: كيف تدار الأزمات؟ أين تذهب الميزانيات المخصصة للوقاية من الكوارث؟ ولماذا يظل المواطن البسيط هو الحلقة الأضعف في كل مرة؟

من جهة أخرى، لا يمكن إغفال البعد الاجتماعي والاقتصادي الذي يثقل كاهل المواطن الجزائري اليوم. فبعيدا عن الخطابات السياسية الكبرى، ينشغل كثيرون بتأمين أبسط مقومات العيش الكريم. مشاهد الطوابير الطويلة للحصول على مواد أساسية، وعلى رأسها الحليب، تحولت إلى صورة يومية مألوفة، تختزل حجم الضغط المعيشي الذي يعيشه المواطن. وعندما يصبح الحصول على الضروريات تحديا يوميا، فإن السخرية من فيضانات دولة مجاورة تبدو ترفا لا معنى له.

إن الكوارث الطبيعية لحظات اختبار حقيقي لتضامن الشعوب، وليست مناسبات للمزايدة أو تسجيل النقاط. ففي نهاية المطاف، الأمطار لا تعترف بالحدود، والسيول لا تميز بين جنسية وأخرى. وما يصيب مدينة اليوم قد يصيب أخرى غدا. لذلك، فإن المنطق الإنساني يقتضي تبادل الخبرات والتجارب والتعاون الإقليمي في مجال الوقاية والتدخل السريع، بدل الاستثمار في خطاب الانقسام والعداء.

كما أن الإعلام، إذا أراد أن يحافظ على مصداقيته، مطالب بأن يلتزم بالموضوعية والاتزان، وأن يضع مصلحة المواطن فوق الحسابات السياسية الضيقة. فالمهنية لا تتجزأ، والتشفي لا يصنع صحافة محترمة.

في المحصلة، ما حدث يكشف بوضوح الفرق بين من يتعامل مع الأزمات بعقلية التدبير والحلول، ومن يتعامل معها بعقلية الدعاية والهروب إلى الأمام. وبينما تنشغل بعض الجهات بالسخرية من قطرات المطر في بلد مجاور، ينشغل المواطن البسيط في الداخل بالبحث عن طريق سالك أو مادة غذائية أساسية أو مساعدة تقيه قسوة الظروف.

ولعل الدرس الأهم هو أن كرامة الشعوب لا تصان بالخطابات العدائية، بل بتحسين أوضاعها اليومية وتوفير الأمن الاجتماعي والاقتصادي لها. أما تحويل المعاناة الإنسانية إلى مادة للشماتة، فهو خيار لا يعبر إلا عن أزمة خطاب وفقدان للبوصلة الأخلاقية.

في زمن تتكاثر فيه التحديات المناخية والاقتصادية، يبقى الأجدر بالجميع أن يمدوا جسور التعاون لا أن يحفروا خنادق الخصومة. لأن الكوارث، في النهاية، لا تحتاج إلى سخرية… بل إلى تضامن وإنسانية وحلول حقيقية.

التعليقات مغلقة.