الآخر القصراوي : لا تتركني عرضة للغرق!!

0

الانتفاضة

ينطلق إيمانويل ليفيناس من أطروحة بسيطة في صياغتها، جذرية في تبعاتها: الآخر لا يواجهني كموضوع بل كوجه، والوجه يقول قبل كل قانون، في جملة شهيرة: «لا تقتلني». ليست هذه العبارة نداءً أخلاقيا مجردا، بل أصل السياسة حين تكون إنسانية، وأساس العدالة حين لا تختزل الإنسان في التدبير عند الحاجة.

غير أن مأساة القصر الكبير تكشف انتقالا مؤلما في صيغة هذا النداء. فالآخر هنا لا يقول فقط «لا تقتلني»، بل يضيف، من قلب الماء والغيس: «لا تتركني عرضة للغرق». وهذه الإضافة ليست لغوية، بل أخلاقية بامتياز؛ إنها تكشف حدود الفهم التقليدي للمسؤولية السياسية ، وحدود الاكتفاء “بتفادي” الموت دون منع شروطه ومسبباته .

في المنظور الليفيناسي، المسؤولية لا تبدأ عند لحظة الخطر القصوى، بل تسبقها. إنها التزام دائم ومسؤولية استباقية، غير مشروطة، لا تنتظر أن يصرخ الآخر ملء السماء كي تتفاعل. فوجه الغريق هنا لا يطالب فقط بعدم “القتل”، بل بعدم الإهمال، بعدم التهميش والنسيان، بعدم تحويل الهشاشة إلى قدر مزمن وصامت. وترك الآخر عرضة للغرق منذ سنوات ليس حيادًا، بل شكل من أشكال العنف الاجتماعي ، عنف يمارس بالانسحاب والهروب إلى الأمام.

قد يقول قائل: لقد فُتحت سبل الهروب الكبير من الفاجعة، وسُخّرت الإمكانيات،ونصبت الخيام للايواء ، وتهاطلت الخيرات والمساعدات من كل صوب وحدب،وتحرّك التدخل في اللحظة الحرجة.صحيح، كل هذا سيقلل الخسائر، غير أن القراءة الليفيناسية لا تكتفي بسؤال: «هل أُنقذ الآخر؟»، بل تسأل سؤالًا أعمق: لماذا وُضع أصلًا في موقع الغرق؟ ولماذا لم يُسمَع نداء الوجه إلا حين بلغ الماء العنق؟

إن إنقاذ الآخر في آخر اللحظة لا يمحو تاريخ تعريضه للخطر. فالمسؤولية، عند ليفيناس، لا تُقاس ب”نجاح” الهروب في اللحظات الأخيرة، بل بمدى الإصغاء المبكر لضعف الآخر. والضعف هنا ليس طارئا، بل بنيويا؛ إنه هشاشة مجال تُرك دون حماية كافية، ومساكن وممتلكات عوملت كأنها قابلة للخسارة ، وأرواح بشرية أُديرت بمنطق االرهان لا بمنطق التوزيع المتكافئ للحق في الأمان.

الآخر القصراوي، في هذا السياق، لا يتوسل الانقاذ فقط، بل يطالب بالاعتراف. اعتراف بأن الغرق ليس حادثًا معزولًا، بل نتيجة تراكمية لسياسات عمومية فاشلة أمام أول اختبار . والوجه، حين يُترك عرضة للماء مرارًا، يتحول إلى سؤال أخلاقي موجِع: من يُحمى مسبقًا؟ ومن يُستدعى فقط عند الفاجعة؟

بهذا المعنى، فإن مأساة القصر الكبير ليست فقط مأساة فيضانات، بل مأساة تأخر الإصغاء. تأخر سماع النداء الليفيناسي في صيغته الكاملة:

لا تقتلني،

ولا تتركني في شروط تجعل موتي محتملًا،

ولا تختزل إنقاذي في لحظة، وتنسى هشاشتي كمسار طويل منذ سنوات خلت.

إن أخلاق الوجه – وجه الإنسان المهمش- تفرض أن نعيد التفكير في الأمان بوصفه علاقة حية بالآخرين لا خطوات إدارية تحت ضغط الواقع ؛ وفي المجال بوصفه التزاما أخلاقيا، لا فضاء محايدا؛ وفي المسؤولية بوصفها استجابة دائمة، لا تدخلًا ظرفيا. فحين نُنقذ الإنسان من الغرق، لكن نُبقيه معرضا له في كل مرة، نكون قد احترمنا حرف النداء، وخُنَّا روحه.

ومن هنا، يصبح نداء القصر الكبير نداء فلسفيا بامتياز:

أن ننتقل من أخلاق «عدم القتل» إلى أخلاق «عدم التعريض للغرق».

لأن ما لا “يقتل” اليوم،

قد “يقتل” غدًا…

إن تُرك الإنسان مرة أخرى،

وجهًا بلا رعاية ،

أمام ماءٍ يعرف الطريق إليه جيدًا.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.