الانتفاضة // شاكر ولد الحومة
مراكش، تلك المدينة التي يتم الكذب على المواطنين المراكشيات والمراكشيين بأنها مدينة عالمية، وهي لا تمت إلى العالمية بصلة.
مراكش، تلك المدينة المهمشة والمنسية والمقصية من كل برامج التنمية المستدامة، للأسف الشديد.
مراكش التي أكلها المنتخبون والسياسيون والمسؤولون لحمًا ورموها عظمًا، بدون رحمة ولا شفقة.
مراكش التي أسسها عمر الجزولي رحمه الله تعالى في إطار وحدة المدينة، وبروز أول شكل تنظيمي في الميثاق الجماعي والمتعلق بالعمودية.
لكن يبدو أن بريق ذلك الرجل ولمعانه وسيرته الطيبة التي يذكره بها الناس، عملت المنصوري على إتلافها ونسيانها إلى الأبد، مع كامل الأسى والأسف.
فالجميع في زماننا هذا، وخاصة في عهد المجلس الحالي والسابق والذي قبله، يتبجح بالإصلاحات وتغيير شكل المدينة إلى الأحسن والأجود والأفضل، لكن يبدو أن كل ذلك ليس إلا سحابة صيف عابرة، عبور هذه الوجوه الشاحبة التي تسير مراكش، وجثمت على قلوب المراكشيين والمراكشيات لعقود من الزمن، دون أن يكون لذلك أثر ملموس على الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية وغيرها.
فعمر الجزولي، الذي كان أول عمدة لمراكش في إطار المقاربة التنظيمية التي جاء بها قانون الميثاق الجماعي، والذي يحاول تجميع المصالح والمرافق وعدم تشتيت الجهود، وجعل المقاطعات كلها تحت إمرة شخص واحد، مع التفويض طبعًا للمسؤولين للقيام بما ينفع البلاد والعباد في مراكش وغيرها.
هذا النظام بدأ مع الجزولي سنة 2003، حيث كان حصاد عاملًا لمراكش آنذاك، وهو ما ساهم في إنجاح هذه التجربة التي لا زال يُسير بها الركبان إلى حدود كتابة هذه السطور.
حيث أصبح المجلس الجماعي لمراكش موحدًا لجهود المقاطعات، ويتعلق الأمر بسيدي يوسف بن علي، والمنارة، والمدينة، والنخيل، وجعل مصالح المواطنين في يد آمنة، خاصة وأن الجزولي رحمه الله كان يشهد له المقربون بالكفاءة والحصافة والعلم والخبرة والتجربة والبصيرة، وتطبيق البرامج التي تصادق عليها الدورات التي كان يعقدها في مقر الجماعة، والتي كانت تعرف حضور عدد كبير من السياسيين والمنتخبين والمهتمين والفاعلين، لما كان للرجل من دراية بالعمل ورؤية متبصرة وكاريزما قوية جعلته يسير بمراكش نحو ضفاف الأمن والأمان والسلم والسلام.
وكان الجزولي رحمه الله تعالى حريصًا على تطبيق القانون وتنزيله بحذافيره، ولم يكن يحابي أحدًا في ذلك، بل كان سبّاقًا إلى إعطاء النموذج في التفاني في العمل، والصبر على كل المشاكل التي تعرفها مراكش، وإيجاد الحلول المناسبة لها، وخدمة المراكشيين والمراكشيات بكل ما أوتي من قوة ورباطة جأش.
حيث أصبح اسم مراكش يُضرب به المثل في المغرب وخارجه، لما للرجل من تأثير كبير على مجريات القرارات التي أثرت بشكل إيجابي على المدينة، حيث يُشهد له بمعرفته الدقيقة بكل تفاصيل مراكش، بدءًا بعدد الحفر التي كانت تزينها، وعدد المصابيح التي لا تشتغل، وعدد الأزقة والدروب والحارات، وعدد السكان واحتياجاتهم وآهاتهم ومتطلباتهم، وكل ما يتعلق بمعاشهم ومعادهم.
كيف لا، والرجل ابن مراكش، شرب من ماء مراكش، وأكل من طعامها، وتنفس أوكسجينها، وبالتالي كان لذلك كله أثر إيجابي على مراكش وأهلها صغارًا وكبارًا، نساءً ورجالًا، شبابًا وكهولًا.
لقد كانت للجزولي رحمه الله رؤية ثاقبة لاحتياجات مراكش ومشاكلها التي تتطلب الحل العاجل، فضلًا عن سمعته التي سبقته والمتجلية في الأخلاق الحميدة، وسعيه الاجتماعي من أجل التمكين لموظفيه وعماله من كل متطلبات الحياة الطيبة والعادلة والمريحة، حيث لم يفتأ أن جعل لكل موظفيه داخل المجلس الجماعي مسكنًا قارًا يقيه من التسول والديون وغير ذلك مما يثقل كاهل المراكشي والمراكشية.
كما أن مجلسه الجماعي الذي ترأسه كان منسجمًا ومتناغمًا ويشتغل في أريحية كبيرة، بل كانت حتى المعارضة تشهد للرجل بالقوة والفاعلية والجسارة، والتطلع نحو جعل مراكش قبلة للزوار من كل صوب وحدب.
وشكّل هو والوالي حصاد آنذاك نموذجًا للثنائي الذي كانت كل مدن المغرب مثل أكادير وطنجة وفاس ومكناس وغيرها تشد الرحال إلى مراكش من أجل الاستفادة من تجربة الجزولي وطريقة اشتغاله، والتعرف عن قرب على برامجه وطريقة تسييره للمجلس الجماعي، والعودة بعد ذلك برزنامة من التجارب والخبرات التي تكون في الغالب ذات صبغة اجتماعية واقتصادية، لا تعود إلا بالفضل على كل سكان المغرب شمالًا وجنوبًا، شرقًا وغربًا.
هذا، وأطلق الجزولي رحمه الله تعالى سلسلة من الأوراش والمشاريع والبرامج التي عادت بالخير والخيرات على ساكنة مراكش، فعاشت المدينة في ولايته وفي زمانه أزهى لحظات التطور والتقدم والازدهار.
وأبرز المشاريع التي وقف عليها الجزولي رحمه الله شخصيًا: مشروع شارع محمد السادس، والمناطق الخضراء والتشجير، فضلًا عن تأهيل المناطق السكنية، وإعداد تصميم التهيئة، وترصيف عدد من الأزقة والدروب والساحات، وإعادة الاعتبار لمراكش وأهلها في مختلف المجالات والميادين.
وحتى نكون منصفين، ولأننا لا نرمي الراحل الجزولي بالورود، فقد كان هذا الأخير فأل خير على مراكش وأهلها، وأعاد وضع قاطرة المدينة على السكة الصحيحة بعد أن زاغت عنها في السنوات التي خلت.
وكان الجزولي رحمه الله منتفضًا في وجه كل أنواع الفساد والإفساد، وكان يقف وقفة رجل واحد في وجه كل من تسول له نفسه المساس بمراكش وأهلها، وكانت تأخذه الحمية التي من شأنها أن تعيد الاعتبار لمدينة تم تهميشها لسنوات خلت.
حيث أشرف بنفسه على إنجاز عدد من الإصلاحات التي لا زال المراكشيون يذكرونها إلى يوم الناس هذا، كدليل على صدق الرجل وروحه الاجتماعية ونبل نواياه، فضلًا عن عمق استراتيجيته الإصلاحية التي كانت تجعل من المراكشي والمراكشية قطب الرحى في كل العمليات الإصلاحية والتنموية.
فقد أشرف الجزولي رحمه الله تعالى على المدارات الحضرية، ونظم النقل الحضري، وباشر عددًا من الإصلاحات، وقام بمجموعة من الأعمال المشهودة له في إبانه، والتي لم تستطع للأسف الشديد المجالس التي تعاقبت بعده الحفاظ عليها لأسباب في نفس يعقوب.
فالجزولي رحمه الله تعالى كانت تعنيه المصلحة العامة، ولم تكن تأخذه المصلحة الخاصة والأنانية المقرفة والشخصانية المقيتة، بل كانت مراكش في زمانه تعتبر وجه المغرب المشرق في عدد من المشاريع التنموية والبرامج الإصلاحية التي تروم التأهيل الحضري للمدينة الحمراء، والبناء المحترم للقواعد، والبيئة السليمة، والبنية التحتية المتوازنة، وغير ذلك.
وكان يحيط بالرجل رحمه الله تعالى قامات سياسية ورجال قلّ نظيرهم في العطاء والنوال ونكران الذات وخدمة أهل مراكش في كل المناحي.
هذا، وكانت دورات المجلس الجماعي تعرف نقاشًا مستفيضًا وأخذًا وردًا من قبل المنتخبين الذين كانوا يتمتعون بمستويات ثقافية متميزة، وكانت تؤثث المشهد السياسي بمراكش بكل فخر.
وهي طبعًا شهادة للتاريخ، ولا نزايد على الرجل في شيء، ومن يدعي العكس نقول له كما قال تعالى في محكم التنزيل: «قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين».
خاصة وأننا نعيش على وقع نهاية ولاية عمر الجزولي رحمه الله، وعلى مراكش أخرى، ودخول عاصمة النخيل منعطفًا خطيرًا سمته الأساسية المنصوري الفاشلة ومجلسها الفاشل.
مراكش التي حولتها المنصوري ومن سبقها إلى حضيرة يُلقى فيها كل القاذورات والأزبال، دون احترام للجهود التي بذلت من قبل الجزولي، ولا من قبل حصاد، ولا من قبل جنود الخفاء في المجلس الجماعي الذي كان الجزولي قائدًا له.
حيث حولت المنصوري مراكش إلى قبلة لكل المشاكل والكوارث، بدءًا بأزمة النقل الحضري والأزبال المنتشرة في كل مكان، والحزام الدواري الذي يحيط بالمدينة من كل صوب وحدب، مع ما يشكله ذلك من مخاطر وتحديات أمنية واجتماعية واقتصادية للمدينة. فضلًا عن المجتمع المدني الفاسد، والجمعيات الحقوقية المرتزقة، والإعلام المبتز، والمسؤولين الفاسدين، والمنتخبين الناهبين لخيرات الحمراء، مع بعض الاستثناءات طبعًا. فضلًا عن الاستيلاء على أراضي الدولة في إطار ما يسمى بـ “خدام الدولة”، والاستيلاء على المشاريع الملكية، واحتلال الملك العمومي. دون أن نغفل أن مراكش تحولت في عهد المنصوري إلى ماخور من الفساد الجنسي، والفنادق الجنسية، والخمارات، والحانات، والعلب الليلية، والملاهي الليلية، وانتشار الخمر والمخدرات، وظهور إسكوبار في مختلف المجالات، ومبيضي الأموال في مختلف الميادين، ومافيات العقار، ومافيات الإعلام، ومافيات الجمعيات، ومافيات متنوعة ومختلفة تظهر فجأة حين تظهر المصلحة الخاصة وتختفي حين تختفي المصلحة العامة.
المنصوري التي قلبت حياة المراكشي رأسًا على عقب، وحولت حياتهم الساكنة المراكشية إلى جحيم، واهتمت الوزيرة بمصالحها الخاصة، واشتغلت بشراء الأراضي وبناء الفيلات، واستغلال منصبها الوزاري وقربها من دوائر القرار، لتنسى بالتالي ضحايا الحوز ومغاربة الجبل ومغاربة “المغرب”، في مقابل مغاربة “موروكو”، ومغاربة “البركاصات”، ومغاربة “السعاية”. إضافة إلى الانتشار الفظيع لـ “الميخالا والبوعارا والكريساج والخطف والنشل والسرقة”، في الوقت الذي لا تكلف المنصوري نفسها حضور حتى اللقاءات العادية والاستثنائية لدورات المجلس الجماعي، الذي يبدو أنه مجلس فاشل ومشلول، ولا يقدر أن يقدم أية حلول لمشاكل مراكش العويصة. خاصة وأن الجميع يراهن على جعلها مدينة سياحية، وهي في الأصل ليست إلا دوارًا كبيرًا مفتوحًا على المجهول، خاصة في زمن المنصوري.
وبالتالي، فقد نسفت المنصوري ومجلسها الفاشل، والتي اعتلت رأس العمودية لولايتين، دون أن تترك لها بصمة في المدينة التي بدأت في عهدها تنحو نحو التخلف والجهل والتقهقر والتراجع المدوي الصارخ، للأسف الشديد.
لقد محت المنصوري إرث الجزولي الناصع، وضربت به عرض الحائط، وأدخلت مراكش والمراكشيين نفقًا مسدودًا، لا مخرج منه إلا بمغادرة المنصوري الفاشلة ومجلسها الفاشل مجلس مراكش إلى غير رجعة.
فهل تملك المنصوري الشجاعة لتقول للمراكشيين الحقيقة؟ أم أنها كالعادة لا تملك ذرة إيمان من الإرادة والقوة والشجاعة لتقول لهم الحقيقة، عوض الكذب عليهم كل وقت وحين، دون حياء ولا حشمة؟
فمراكش في زمن المنصوري لا يمكن إلا أن نصلي عليها صلاة الجنازة، صلاة بأربع تكبيرات وبدون ركوع، مع تلاوة قوله تعالى: «ربنا لا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا».
فقد تدهور كل شيء في عهد المنصوري، وأصبحت مراكش قبلة لكل من هب ودب لتسيير شؤونها، حتى وإن كان لا يملك لا برامج ولا رؤى ولا مشاريع، اللهم اللهث وراء المصالح الخاصة والاغتناء على حساب المواطنين، بدون أن يرف لهم جفن، للأسف الشديد.
وهل يمكن للمنصوري أن تتواصل مع المراكشيين بعد غياب طويل وغير مبرر، كما كان يفعل الجزولي، وذلك كل ثلاثة أشهر؟
أم أن المنصوري فاقدة للشرعية وفاقدة للأهلية، ووجب عليها الرحيل حتى لا يحرجها المراكشيون بالتصويت العقابي خلال الاستحقاقات القادمة، عوض التبجح بكونها امرأة حديدية وأنها تملك كاريزما قوية؟ والحقيقة أنها لا تملك لا هذا ولا ذاك، وإنما هي امرأة تعرف من أين تؤكل الكتف، لا أقل ولا أكثر.
والدليل هو أن مراكش في عهدها أصبحت عبارة عن أشغال لا تنتهي، وطرق محفرة، وفيضانات، وقناطر مكسرة، وطرق غير معبدة، ومصابيح معطلة، ودواوير مهمشة، وازدحام مروري، وبيئة متسخة، وكوارث أخرى جمة لا سبيل لعدها وحصرها.
فما على المنصوري إلا أن تضع “السوارت”، وتقفل عائدة إلى مهنتها كمحامية فاشلة، لتترافع على ملفات تأكل بها “طرف ديال الخبز”، عوض أن تتصدر المشهد السياسي بدون إضافة نوعية، اللهم النزق السياسي والبوليميك الخاوي والشعارات الفارغة.
“فإما ديري ما دار الجزولي ولا حسن منو، ولا عطينا شبر التيساع.”
لأن مراكش في عهدك أصيبت بالجلطة الدماغية، أو قل السكتة القلبية.
مراكش ماتت في زمانك يا منصوري.
“فهمتيها ولا نشرحوها ليك بالخوشيبات.”
يتبع…
التعليقات مغلقة.