الانتفاضة/ أكرام
تشهد الساحة السياسية المغربية جدلا متزايدا حول ما يجري داخل حزب التجمع الوطني للأحرار، بعد إعلان رئيس الحكومة ورئيس الحزب المنتهية ولايته، عزيز أخنوش، عدم ترشحه لولاية ثالثة. فبينما يسوق هذا القرار على أنه انسحاب طوعي واستجابة لمبادئ التداول الديمقراطي، تكشف المعطيات من داخل الحزب عن صورة مختلفة تماما، تكاد تؤكد أن ما يحدث ليس انسحابا سياسيا، بل محاولة لضمان النفوذ والسيطرة بعد مغادرة الواجهة الرسمية.
فالإبقاء على تمديد الهياكل الداخلية وتأجيل الاستحقاقات الحزبية، إلى جانب التحكم في مفاتيح القرار، يعكس منطق وصاية على الحزب، ويؤكد أن مرحلة ما بعد أخنوش ليست مفتوحة على التنافس الحر بين القيادات. مصادر حزبية مطلعة أشارت إلى وضع “خط أحمر” غير معلن يمنع عمليا أي قيادي من الترشح لخلافته، بما يحصر الاختيار في إطار محدود مسبقا.
ولا يقتصر الأمر على الداخل الحزبي، بل امتد إلى الساحة السياسية الأوسع، حيث كثف أخنوش تحركاته الخارجية، بحثا عن ضمانات سياسية ومؤسساتية تؤمن خليفة على مقاس المرحلة، ما يعكس تصورا تقليديا للسلطة يضع الثقة في التفويض المباشر فوق إرادة القواعد. هذا النهج يعطل أي منافسة حقيقية، ويحول الحزب من مؤسسة حزبية حقيقية إلى جهاز إداري يعتمد على التبعية، بدل أن يكون ساحة حرة لتداول الأفكار والقيادة.
وبالنتيجة، لا تدار عملية الانتقال داخل الحزب بالقواعد الديمقراطية المؤسسية، بل من خلال التمديدات الاستثنائية والتوافقات الخلفية. والسياسة الداخلية للحزب تتحول إلى إدارة خوف، لا إدارة اختلاف، حيث تفرغ المؤتمرات الداخلية من مضمونها، وتصادر الإرادة الحزبية باسم “خصوصية المرحلة” و“الاستقرار”.
هذا النهج يحمل في طياته مخاطر مستقبلية كبيرة، فإطالة التمديد والتدخل في اختيار الخلف يشير إلى ضعف القدرة على بناء نخب قادرة على المنافسة، ويؤدي إلى فقدان الشرعية لدى القواعد والمجتمع. فالانتقال القيادي اختبار للشرعية والمؤسسة الحزبية، ومن يهرب منه يعلن فشله في بناء مؤسسات قوية.
وفي النهاية، يختار عزيز أخنوش البقاء حاضرا بلا مسؤولية فعلية، مؤثرا بلا تفويض، ومقررا بلا محاسبة. وما يجري اليوم ليس نهاية مرحلة، بل تأجيل حتمي لانفجارها، إذ أن أي حزب يدار بهذه الطريقة يواجه أزمة شرعية مستقبلية. السياسة لا ترحم من يضع الضمان فوق القاعدة، والسلطة فوق المؤسسات، ومن يحاول تحويل الحزب إلى غرفة انتظار، يدفع الثمن في المدى المتوسط والطويل.
التعليقات مغلقة.