الانتفاضة // عبد المجيد العزيزي
لا تزال عربات “الكوتشي” التي تجرّها الخيول تجوب شوارع وساحات مدينة مراكش، في مشهد يومي يُعيد استحضار جزء أصيل من الذاكرة الحضرية للمدينة الحمراء، ويجسّد استمرارية تراث عريق لم تفلِح التحولات العمرانية ولا وسائل النقل الحديثة في طمسه.
من وسيلة نقل إلى رمز حضاري
ارتبط الكوتشي تاريخيًا بالحياة اليومية للمراكشيين، كوسيلة نقل تقليدية داخل المدينة العتيقة ومحيطها، قبل أن يتحوّل تدريجيًا إلى رمز ثقافي وسياحي يعكس خصوصية مراكش وهويتها البصرية. فالعربة التقليدية، بتصميمها وألوانها، وبالزيّ التقليدي الذي يرتديه سائقها، باتت جزءًا من المشهد الحضري الذي يميّز المدينة عن غيرها من الوجهات السياحية.
تجربة سياحية تبحث عن الأصالة
مع تنامي الطلب العالمي على السياحة الثقافية، أصبحت جولات الكوتشي واحدة من التجارب التي يقبل عليها السياح، باعتبارها وسيلة لاكتشاف المدينة بوتيرة هادئة، تتيح للزائر التفاعل مع الفضاء التاريخي، واستحضار روح مراكش القديمة. وهو ما جعل الكوتشي عنصرًا فاعلًا في تسويق المدينة كوجهة تجمع بين الأصالة والفرجة.
أثر اقتصادي واجتماعي
لا يقتصر دور الكوتشي على البعد الرمزي، بل يمتد إلى أثر اقتصادي مباشر، حيث يوفر مصدر عيش لعدد من الأسر، ويساهم في تنشيط الدورة الاقتصادية المرتبطة بالسياحة، من مرشدين وباعة تقليديين وأصحاب محلات داخل المسارات السياحية. كما يشكّل جزءًا من منظومة الاقتصاد المحلي المرتبطة بالتراث والخدمات السياحية.
بين المحافظة والتحديات
رغم هذا الدور، يواجه قطاع الكوتشي تحديات متزايدة، من بينها متطلبات السلامة، والحفاظ على صحة الخيول، وتنظيم المجال الحضري بما يضمن استمرارية هذا الموروث في إطار يحترم المعايير الحديثة. ويؤكد مهتمون بالشأن التراثي على ضرورة إدماج الكوتشي ضمن سياسات واضحة لتثمين التراث اللامادي، توازن بين الاستغلال السياحي والحفاظ على الكرامة الإنسانية والحيوانية.
رهان تثمين التراث اللامادي
يشكّل الكوتشي اليوم أحد تجليات التراث اللامادي بمراكش، وفرصة لإعادة التفكير في نموذج سياحي أكثر إنسانية واستدامة، يقوم على تثمين الذاكرة المحلية، وإشراك المهنيين في برامج التأهيل والتكوين، بما يحافظ على هذا الموروث كجزء من هوية المدينة لا كصورة فولكلورية عابرة.
إن الكوتشي بمراكش ليس مجرد عربة تجرّها الخيول، بل حكاية مدينة تسير على إيقاع التاريخ، وتؤكد أن الحفاظ على التراث يظل رهانًا حضاريًا وسياحيًا في آن واحد.
التعليقات مغلقة.