طرد الأفارقة سلوك غير حضاري وقمة في “التاعونصوريت” المقيتة

الانتفاضة // سعيد حجي

الحملة التي تقودها بعض الصفحات ضدّ المهاجرين السنغاليين في المغرب، بدعوات للترحيل وبعبارات جارحة وبخطاب مشحون بالغضب، تحتاج أن تُقرأ بهدوء، وأن تُفكَّك بعقل بارد، وأن تعاد إلى حجمها الحقيقي داخل سياق اجتماعي أوسع تعيشه المنطقة والعالم. صفحات مجهولة، حسابات بلا أسماء واضحة، صور مستعارة، لغة متشنّجة، مفردات جاهزة للاستفزاز، كلها عناصر تنتمي إلى ما يسميه علماء الاجتماع الرقمي “سوق الانفعال”، حيث تباع المشاعر بسرعة، ويُصنَّع الغضب كما تُصنَّع السلع، ويُضخّ في الوعي الجماعي على شكل جرعات متتالية.
المغاربة، في عمق ذاكرتهم التاريخية، شعب خَبزَ معنى الهجرة أكثر مما خبز معنى الإقصاء. من القرى الجبلية إلى مدن الساحل، من الجنوب إلى الشمال، ومن المغرب إلى أوروبا وإفريقيا واسيا، ظلّ المغربي دائما مسافرا في الجغرافيا، يحمل خبزه في حقيبته، وكرامته في صمته، وحلمه في عينيه.

هذا الوعي العميق بالترحال يجعل من الصعب اختزال المزاج المغربي في موجة افتراضية عابرة، أو في غضب رقمي سريع الاشتعال وسريع الخمود.
كرة القدم، بكل ما تحمله من شغف جماهيري واحتقان لحظي، ليست سوى مسرح عاطفي كبير. المدرجات تنتج طاقة جماعية، الهتاف يخلق نشوة، الهزيمة تخلّف مرارة، والانتصار يوقظ نشيد القبيلة.

في هذا المناخ المشحون، قد تنفلت زمرة صغيرة من الجمهور، فيحدث الشغب، ويكسر النظام الرمزي للعبة.

غير أن تحويل هذه اللحظة إلى معيار للحكم على شعب كامل أو على جالية بأكملها هو اختزال ساذج للواقع، وقفز فوق تعقيدات الاجتماع الإنساني.
المهاجر السنغالي الذي يجوب الشوارع بحثا عن عمل، أو يقف في الأسواق الصغيرة يبيع ما تيسّر، أو ينتظر فرصة في ورش بناء، هو جزء من سردية عالمية اسمها اقتصاد العبور. إنسان يتحرّك داخل خرائط الفقر والبطالة وعدم تكافؤ الفرص، يحمل جسده كأداة إنتاج، ويحمل الأمل كوقود يومي.

في علم الاجتماع، تُسمّى هذه الحركة “هجرة الضرورة”، حيث لا يكون السفر اختيارا رومانسيا، بل استجابة قاسية لميزان عالمي مختلّ…
وفي الاتجاه الآخر، يعيش مغاربة كثيرون في السنغال، في دكار ومدن أخرى، يعملون في شركات مغربية، ويشاركون في مشاريع اقتصادية، ويسهمون في صناعة جسور التعاون جنوب – جنوب.

هناك، يُستقبل المغربي باعتباره شريكا، وجارا، وصديق مائدة، وعضوا في نسيج يومي تتقاطع فيه المصالح والعلاقات والثقافات.

هذا الامتداد الإنساني المتبادل يُشكّل رأسمالا أخلاقيا لا ينبغي التفريط فيه تحت ضغط انفعالات عابرة.
الانسياق وراء صفحات مجهولة المصدر يشبه السير خلف صدى بلا صوت.

في فلسفة الإعلام، تُسمّى هذه الحالة “وهم الإجماع”، حيث يعتقد الفرد أن ما يراه على الشاشة يمثّل رأي الأغلبية، بينما هو في الواقع نتاج خوارزميات تضخّم المحتوى المثير وتهمّش النقاش العاقل.

هنا يصبح الغضب لغة، والاتهام بديلا عن الفهم، والتعميم أداة سهلة لتبسيط عالم معقّد.
الوعي، في هذا السياق، ليس ترفا فكريا، بل ضرورة اجتماعية. أن نفرّق بين كرة القدم كفرجة شعبية، وبين الشغب كحادثة معزولة، وبين المهاجر كإنسان، وبين السياسة كحسابات مصالح، هو تمرين يومي على الحكمة المدنية.

الحكمة التي تجعل المجتمع قادرا على امتصاص الصدمات دون أن ينكسر نسيجه، وعلى إدارة الخلاف دون أن يتحوّل إلى قطيعة.
في الأدب، كثيرا ما يظهر الغريب بوصفه امتحانا للأخلاق العامة.

في عوالم ساراماغو، يسير البشر وسط العمى الجماعي وهم يظنون أنهم يرون، وفي نصوص الطيب صالح يتقاطع الجنوب بالشمال في مرايا الهوية والذاكرة، فينكشف أن الإنسان واحد وإن اختلفت الجغرافيا.

هذه الاستعارات الأدبية تذكّرنا بأن المجتمعات تقاس بقدرتها على حماية إنسانيتها في لحظات التوتر.
الفتنة، حين تتسلّل إلى اللغة اليومية، تربك الثقة، وتزرع الشك، وتحوّل الاختلاف الطبيعي إلى تهديد وجودي. لذلك كان التحذير منها شديدا في العرف الديني والأخلاقي، لأنها تفسد المجال العام من الداخل، وتحوّل الحوار إلى صراع، والرأي إلى خندق.
المغرب، بتعدده الثقافي واللغوي والروحي، يمتلك رصيدا كبيرا من التعايش.

هذا الرصيد لم يُبنَ في يوم، ولم يُصنع بشعار، بل تراكم عبر قرون من الاحتكاك والتبادل والسفر والأسواق المشتركة والمواسم والطرق الصوفية والزوايا والجامعات العتيقة.

هو رأسمال رمزي يجعل المجتمع قادرا على تجاوز لحظات التشنّج، والعودة دائما إلى منطقه العميق: منطق الاعتدال.
أن نزن الأمور بالعقل يعني أن نمنح الواقع حقّه في التعقيد، وأن نمنح الإنسان حقّه في الكرامة، وأن نمنح الوطن حقّه في صورة تليق بتاريخه.

العقل هنا ليس برودا، بل حرارة منضبطة، شغف لا ينقلب إلى عنف، انتماء لا يتحوّل إلى إقصاء.
في زمن الضجيج الرقمي، يصبح الهدوء موقفا، والتفكير شجاعة، والتمييز بين الحقيقة والوهم مسؤولية جماعية.

هكذا فقط يبقى المغرب وفيا لصورته العميقة: أرض عبور، وبيت لقاء، ومجالا مفتوحا على الإنسان حيثما جاء، وحيثما ذهب.

التعليقات مغلقة.