الإنتفاضة
واأسفاه على ما آلت إليه القيم، وكيف تشعّب الجهل في بعض الأمم. تثور من أجل كرة منفوخة، تُذرف الدموع، تُكسر التجهيزات، ويُرضى بالزنزانة والأحكام القضائية، بينما لا يرفرف جفن أمام مشرد يبيت في العراء تحت برد قارس وأمطار غزيرة. تمرّ الأعين بلا اكتراث أمام حاويات أزبال تحولت إلى مطاعم للجوعى، ومورد لبائعي المتلاشيات في الأسواق المهمشة. مفارقة مؤلمة تكشف اختلالًا في ترتيب الأولويات، وتضعنا أمام سؤال جوهري: أي قيمة نُعلي، وأي إنسان نستحق أن ندافع عنه؟
أمم اعتبرناها صديقة، وفتحنا لها أبواب الضيافة ورحابة الاستقبال، ورأينا فيها حليفًا يمكن الاعتماد عليه في الشدائد ومكائد الجيران. لكن الكرة المنفوخة وضعتنا أمام مرآة أنفسنا؛ أن ما نقدمه من دعم وخبرات يحتاج إلى مراجعة، وأن من يستحق العناية في الداخل أولى بها من غيره. فالدولة القوية لا تُقاس فقط بما تمنحه للخارج، بل بما تصونه في الداخل من كرامة وعدالة وتكافؤ فرص.
ولن نلوم الفريق الوطني لكرة القدم، لأننا نؤمن بأن الرياضة أخلاق وقيم، وأن المنافسة الشريفة تعني الربح كما تعني الخسارة، وأن الفائز الحقيقي هو من يسود التقارب والتعايش والسلم الاجتماعي، لا النفور والتشهير وزرع الفتن واللعب بالنار. الرياضة رسالة نبيلة حين تُمارس بروحها السامية، لكنها تتحول إلى أداة هدم حين تُستعمل وقودًا للغضب الأعمى.
إن ما كشفت عنه هذه المشاهد ليس مجرد انفعال رياضي عابر، بل مؤشر على خلل أعمق في الوعي الجمعي. فالأوطان لا تُبنى بالصراخ ولا بتحطيم الممتلكات، بل بالمسؤولية، والإنصاف، واحترام الإنسان. وحين نراجع ذواتنا بصدق، سندرك أن الاستثمار الحقيقي يبدأ من الداخل، وأن كرامة المواطن ورعاية الضعفاء وصون السلم الاجتماعي هي البطولة الكبرى… بطولة لا تُمنح فيها الكؤوس، لكنها تصنع مجد الأمم وتثبتها على المبادئ.
بقلم : ” محمد السعيد مازغ “
التعليقات مغلقة.