الانتفاضة
التفاهة والموت البطيء للمجتمع يمران اليوم في وضح النهار، يلوّحان بأيد مبتورة المعنى، يبتسمان أمام الكاميرات، ويتركان خلفهما أرصفة مثقلة بالفراغ، ومدنا تتآكل من الداخل كجسد أصابه العفن المعرفي. في كل محطة إعلامية، في كل شاشة مضاءة، في كل منصة رقمية تتكاثر مثل الفطريات على جدران الوعي، تُمنح الأولوية للتافهين، يُرفعون إلى مرتبة النجومية كما لو كانوا أنبياء عصر السرعة، بينما تُدفع الشخصيات الحقيقية إلى هامش الصورة، إلى زاوية معتمة من المشهد، حيث لا يصل الضوء إلا كأثر باهت….
أن يتم استقطاب تافه لا يحمل في جعبته سوى تعواج الفم، نوبات الصراخ، وحركات جسدية مشوهة المعنى، وأن يُسلَّط عليه الضوء بإفراط فجّ، بينما المثقفون محاصرون بالصمت، مختفون في الظل، مقيمون في منافي اللامبالاة، فذلك إعلان غير مكتوب عن انقلاب في سلّم القيم، عن اختلال في هندسة الذوق العام، عن انهيار في البنية الرمزية التي كانت تضبط إيقاع المجتمع وتحدد بوصلته الأخلاقية والجمالية……
نحن أمام مفارقة وجودية تتكاثر في الفضاء العمومي كجرثومة فكرية، مفارقة لا تحتاج إلى برهان بقدر ما تحتاج إلى عين لم تصبها عمى الاعتياد. مجتمعات تكافئ الرداءة، تصفّق للسطحية، تشيّع المعنى إلى المقابر الجماعية، وتحتفي بفراغ يتقن الرقص فوق جثث الأسئلة الكبرى. هنا، يتحول الإنسان إلى كائن استهلاكي خالص، تعاد برمجته وفق خوارزميات السوق، يقاس وزنه بعدد المتابعين، وتحدَّد قيمته بعدد المشاهدات، ويختزل تاريخه في مقطع قصير قابل للمشاركة…
في هذا المناخ، يُستبدل المثقف العضوي بالمؤثر العابر، يقصى صاحب المشروع الفكري لصالح صاحب النكتة الفارغة، يهمَّش حامل الرؤية لصالح حامل الميكروفون. تتفكك الطبقة الرمزية للمجتمع، تنهار السلطة المعنوية للمعرفة، ويتحول الفضاء العام إلى مسرح كرنفالي، حيث تختلط الأقنعة بالوجوه، ويصير الصراخ بديلا عن الحجة، والضحك الآلي بديلا عن التفكير…
هكذا يعاد إنتاج التفاهة بوصفها نمط عيش، لا كظاهرة عابرة. تتسلل إلى المدرسة، إلى الجامعة، إلى الإعلام، إلى السياسة، إلى اللغة اليومية. تفاهة تمتلك أدواتها الخطابية، آليات انتشارها، منطقها السوقي، اقتصادها الخاص. تفاهة تشتغل بمنطق الرأسمال الرمزي، تراكم الشهرة كما تراكم الشركات الأرباح، وتحوّل الانتباه إلى سلعة، والوعي إلى مادة خام قابلة للاستهلاك…
في هذا السياق، يبدو المجتمع ككائن مصاب بفقدان الذاكرة الحضارية. ينسى أسماء الذين كتبوا تاريخه الفكري، ويتذكر وجوه الذين أفرغوا اللغة من معناها. ينسى من حفروا في طبقات الوجود بحثا عن المعنى، ويتذكر من قفزوا فوق المعنى بحثا عن التصفيق. هنا تتجسد ما يمكن تسميته بالعدمية الناعمة”، حيث لا يُقتل الإنسان جسديا، بل يُفرَّغ” رمزيا، يُسلب عمقه، يُختزل في صورة، في نكتة، في حركة جسدية قابلة لإعادة التدوير…
كان طامسون يرى الإنسان ساحة صراع بين الملائكة والشياطين، واليوم يبدو الإنسان شاشة صراع بين الإعلانات والمحتوى الفارغ. وكان نيتشه يكتب عن الإنسان الأعلى ككائن يتجاوز قطيع القيم السائدة، واليوم يبدو القطيع هو السيد المطلق، يحدد الذوق، يصنع النجوم، ويعيد تشكيل الواقع وفق منطق القابلية للاستهلاك…
في هذا المشهد، يغدو المثقف كائنا أنكرونيا، خارج الزمن السريع، خارج إيقاع السوق، خارج منطق المنصات. يُنظر إليه ككائن غريب، يتحدث بلغة لا تُفهم، يحمل أسئلة تزعج الراحة العامة، يذكّر الناس بما لا يريدون تذكّره. لذلك يُدفع إلى الهامش، يحاصر بالصمت، يُترك ليكتب في دفاتر لا يقرؤها أحد، أو ليصرخ في صحراء رقمية لا صدى لها…
التفاهة هنا لا تعمل وحدها، بل تتحالف مع ما يمكن تسميته بالكسل المعرفي الجمعي، ذلك الميل الجماعي إلى استسهال العالم، إلى تبسيطه حتى التفريغ، إلى اختزاله في قوالب جاهزة. مجتمع يهرب من التعقيد، يفرّ من الأسئلة الثقيلة، يفضل الحكايات السريعة على التحليل، والضحك السريع على التأمل، والفضائح على الأفكار…
وهكذا يتكوّن ما يشبه “نظاما تفاهويا” مكتمل الأركان، له رموزه، طقوسه، نجومه، جمهوره، لغته الخاصة. نظام يعيد تشكيل الوعي وفق منطق الاستهلاك، يعيد هندسة الرغبات وفق منطق السوق، ويعيد تعريف النجاح بوصفه قدرة على لفت الانتباه، لا قدرة على إنتاج المعنى…
في هذا النظام، يصبح الصمت فضيلة نادرة، والتفكير تهمة، والعمق عبئا، والسطح مملكة. تُستبدل المفاهيم الكبرى بمصطلحات خفيفة الوزن، تُختزل التجارب الإنسانية في شعارات، تُفرغ اللغة من بعدها الوجودي، وتتحول إلى أداة ترويج…
ذلك هو الموت البطيء للمجتمع، موت لا يحدث دفعة واحدة، بل يتسلل كسمّ بطيء، كصدأ في البنية الداخلية، كتشقق في الجدران الرمزية. موت يبدأ حين تُمنح المنصات للتافهين، ويُسحب الضوء من أصحاب المشاريع الفكرية، ويُعاد تعريف البطولة بوصفها قدرة على الصراخ، لا قدرة على الرؤية.
ومع ذلك، يظل في الهامش دائما من يكتب، من يفكر، من يحفر في طبقات المعنى، من يرفض أن يكون جزءا من هذا الكرنفال الكبير. يظل هناك من يحمل في داخله قلق الوجود، وأسئلة المصير، وشغف الحقيقة. أولئك هم الذاكرة الحية للمجتمع، حتى وإن عاشوا في الظل، حتى وإن تحدثوا إلى فراغ يبدو أصمّا…
فالمجتمعات لا تموت حين يكثر التافهون، تموت حين يصدَّق التافهون، حين يُؤخذ الصراخ على محمل الجد، حين يعامل الفراغ بوصفه إنجازا، وحين يُنفى المعنى من المجال العام كما يُنفى الغرباء من المدن المغلقة. هنا فقط يصبح الموت ثقافة، والتفاهة قدرا، والظل وطنا للمثقفين…
التعليقات مغلقة.