الانتفاضة
لم تمض سوى أيام قليلة فقط على خرجة عزيز أخنوش من طنجة، وهو يروّج لحصيلة حكومته بلغة الأرقام والنسب خلال “مسار الإنجازات”، قبل أن ينقلب المشهد رأساً على عقب، ويتبدل الخطاب من الدفاع إلى التبرير، في تحول تقول مصادر سياسية متطابقة إنه لم يكن وليد الصدفة ولا نتيجة مراجعة ذاتية، بل ثمرة إشارات حاسمة وصلته من دوائر نافذة في الدولة تفيد بأن مرحلة أخنوش السياسية شارفت على نهايتها.
فالرجل الذي كان، إلى حدود الشهر الماضي، يتحدث بثقة عن نمو اقتصادي يناهز 5 في المائة، وتراجع العجز إلى 3 في المائة، وانخفاض التضخم إلى أقل من 1 في المائة، ويقدّم الدعم الاجتماعي كعنوان لنجاح حكومته، وجد نفسه فجأة خارج حسابات التجديد، بعد إعلانه عدم الترشح لولاية ثانية على رأس حزب التجمع الوطني للأحرار، في خطوة تُقرأ، سياسياً، كنهاية فعلية لأي أمل في تجديد رئاسته للحكومة بعد انتخابات صيف 2026.
في هذا السياق المشحون، جاءت تصريحات مصطفى بايتاس، الناطق الرسمي باسم الحكومة، لتكسر خطاب الاطمئنان الذي روّجت له الأغلبية طيلة الأشهر الماضية. فحين يقرّ بايتاس بأن ورش الدعم الاجتماعي، رغم تنزيله، ما يزال يحتاج إلى الوقت لاكتشاف اختلالاته ومعالجتها، فإنه يوجّه ضربة مباشرة للخطاب الذي قدّمه أخنوش في خرجاته الأخيرة، خاصة وأن الأمر يتعلق بورش قُدّم كأحد أعمدة الولاية الحكومية.
الأرقام التي ساقها بايتاس لا تخفف من حدة هذا الاعتراف. فالدولة الاجتماعية، بحسب المعطيات الرسمية، كلّفت هذه السنة ما يقارب 41.5 مليار درهم، واستفادت منها 3.9 ملايين أسرة، تضم 5.5 ملايين طفل، و390 ألف أرملة، و1.3 مليون مسن. غير أن الإقرار بوجود اختلالات بعد سنوات من الإطلاق، وفي لحظة سياسية دقيقة، يفتح الباب أمام تساؤلات عميقة حول نجاعة هذا الورش، وحول مدى انعكاسه الفعلي على حياة الفئات المستهدفة.
مصادر مطلعة من داخل ” الأحرار” تؤكد أن أخنوش ظل، إلى آخر لحظة تقريبا، مقتنعا بإمكانية قيادة الحزب نحو استحقاقات 2026، مستندا إلى خطاب “الإنجازات” والدعم الاجتماعي. لكن تطورات متسارعة، وضغوطا سياسية متزايدة، خاصة في ظل تنامي الغضب الاجتماعي وارتفاع منسوب الانتقاد داخل مؤسسات الدولة نفسها، جعلت استمراره مكلفا أكثر مما هو مفيد، وهو ما عجّل بإخراجه من واجهة المشهد.
وتتحدث مصادر أخرى، فضّلت عدم الكشف عن هويتها، عن أعطاب بنيوية في منظومة الدعم الاجتماعي، تتعلق أساسا بضعف الاستهداف، وتأخر معالجة الطعون، واختلال معايير الاستفادة، إضافة إلى محدودية الأثر الحقيقي للتحويلات النقدية في ظل موجة غلاء متواصلة. وهي معطيات ظلت تُدار في الكواليس، قبل أن تجد طريقها، بشكل غير مباشر، إلى خطاب بايتاس.
تصريحات الناطق الرسمي لا يمكن فصلها أيضا عن دخول البلاد العد العكسي لانتخابات 2026، حيث لم يعد عامل الزمن في صالح الحكومة. فالقول بالحاجة إلى “الوقت” في نهاية الولاية، لا يُقرأ إلا كاعتراف متأخر بأن الرهان الاجتماعي لم يحقق النتائج التي تم تسويقها، وأن الحكومة انتقلت عمليا من موقع الفاعل إلى موقع الدفاع، في انتظار محاسبة سياسية تلوح في الأفق.
هكذا، تتقاطع نهاية المسار السياسي لأخنوش مع بداية خطاب حكومي أقل ثقة وأكثر حذرًا، عنوانه الاعتراف بالاختلالات بدل الاحتفاء بالإنجاز. وبين خرجة طنجة التي بدت آخر محاولة لتلميع الحصيلة، وتصريحات بايتاس التي كشفت هشاشة هذا التلميع، تتضح ملامح مرحلة سياسية جديدة، تُطوى فيها صفحة حكومة رفعت سقف الوعود، ووجدت نفسها، مع اقتراب الانتخابات، عاجزة عن إقناع الشارع بأن الأرقام تعني بالضرورة تحسنًا في المعيش اليومي.
التعليقات مغلقة.