لا تُتعِبوا أنفسكم.. أخنوش “منهج” والمنهج لا يستقيل

الانتفاضة. // نبيل شيخي

لماذا كل هذا الذهول؟

ولماذا تفتحون أفواهكم دهشةً وكأن القيامة قامت؟

ولماذا، يا سادة، تتعاملون مع استقالة السيد عزيز أخنوش وكأنها حدث جلل؟

أو كأنها معجزة هبطت من السماء السابعة؟

الأمر بسيط.

الأمر عادي جدا.

بل هو الطبيعة تمشي على قدميها.

الرجل استقال.

نعم استقال.

ولماذا لا يستقيل؟

ماذا بقي له ليفعله ولم يفعله بنا.. وبكم.. وبالوطن؟

لا شيء!

لقد ختم اللعبة.

أنهى المهمة والمراحل كلها بنجاح باهر.

وحقق “السكور” الأعلى في تاريخنا السياسي الحديث.

تستغربون؟

لا تستغربوا.

الرجل حقق أكثر مما كان يطمح إليه في أحلام اليقظة.

وحقق أكثر مما كنا نتخيل نحن في أسوأ كوابيسنا.

لقد جاء بمشروع متكامل.

ونفذ المهمة بالحرف.

وعدنا بـ”تستاهلو أحسن”.

وأثبت لنا، بالملموس، أننا فعلا نستحق “أحسن” مما كنا فيه..

لكن بطريقته الخاصة.

انظروا إلى إنجازاته الكبرى.

لا تحدثوني عن البصل.

ولا عن الطماطم.

تلك تفاهات صغار.

أما “عزيز”، فالرجل لا يلعب إلا في دوري الأبطال.

مَن غيره كان يملك الجرأة لـ”شفط” 17 مليار درهم في لمح البصر؟

17 مليار درهم يا سادة!

اختفت في جيب المحروقات دون أن يَرِف له ولزملائه في البومبة” جفن”.

وحتى عندما حاصرناه، ماذا فعل؟

أدى غرامة تصالحية وديعة.

غرامة على المقاس.

كانت اعترافاً صريحاً بالسطو على المال العام وعلى جيوب المواطنين، ومع ذلك مرت بسلام.

لم تفضِ إلى متابعة.

ولم تقُد إلى محكمة.

تعامل مع سرقة المليارات وكأنها مخالفة سير من الدرجة الأخيرة.

كأنه نسي حزام السلامة، وليس حزام أمان المال العام للمغاربة.

أليس هذا إعجازاً قانونياً لم يسبقه إليه أحد؟

ومن غيره كان قادراً على تحويل ماء البحر إلى ذهب خالص في صفقة التحلية؟

حيث اختلط الماء بالمال، واختلطت المصلحة العامة بالمصلحة الخاصة.

حتى لم نعد نعرف هل سنشرب الماء؟ أم سنشرب “تضارب المصالح”؟

ومن غيره يملك القلب الكبير ليحمي إخوانه في الثراء؟

ألم يسحب قانون “الإثراء غير المشروع”؟

بجرة قلم.

سحبه لأنه رجل خلوق.

ولأنه يرى أن سؤال “من أين لك هذا؟” سؤال قليل الأدب.

سؤال يحرج “اللصوص المحترمين”.

فحماهم.

وحصنهم.

وجعل الفساد وجهة نظر، لا تهمة.

وبذلك أخذ بيدنا، وبيد مؤشر مدركات الفساد، وهوى بنا إلى القاع.

لأن القاع مزدحم.

ولأن القمة موحشة.

وما ذكرناه هنا مجرد غيض من فيض، وأمثلة على سبيل الذكر لا الحصر.

وإلا فإن سجل “الإنجازات” أطول من أن يتسع له هذا الحيز، وأضخم من أن يتحمله الورق.

ويأتي من يقول إنه “أُقيل”.

أو إنه “طُلب منه التنحي”.

فإذا صحت هذه الفرضية، فالسبب ليس الفشل.

حاشا. الرجل نفًذَ ووفًى.

السبب الوحيد المنطقي هو أنه “أفسد الخدعة”.

صحيح أنه حقق المنجزات الكارثية، لكنه فضح “المطبخ”.

لقد جعل هندسة انتخابات 2021 مكشوفة للعميان.

بسببه، وبسبب جشعه الواضح، فهم الناس ما وقع.

بل استرجعوا الشريط، وفهموا بأثر رجعي حتى ما وقع في “البلوكاج” الشهير.

لقد أصبح عبئاً لأنه أسقط القناع.

ولأنه جعل اللعبة فجة ومكلفة ومفضوحة أكثر من اللازم.

وللذين يبالغون ويجهدون أنفسهم أكثر في تحليل أسباب الرحيل..

أريحوا رؤوسكم.

السبب لا يهم.

والشخص لا يهم.

لأن أخنوش ليس شخصاً.

أخنوش، في نسقنا السياسي العجيب، هو مفهوم.

هو منهج.

هو “روح” حلّت هذه المرحلة في جسد عزيز وعلى جناح “حمامة”.

وقد تحل غداً، أو بعد غد، على ظهر أي رمز آخر.

جرارا كان، أو حصانا، أو حتى حمارا جديدا.

لا يهم المركوب.

المهم أن قواعد “الطبخ” واحدة.

ونظام “المطبخ” ثابت.

والنار التي تطهو الوصفات هي نفسها، لم تتغير، ولن تتغير برحيل عزيز.

إلا أن تستيقظوا.

إلا أن تفركوا أعينكم جيداً.

وتغادروا، كهف الغفلة المريح.

إلا أن تفهموا الفيلم الرديء الذي يُعرض أمامكم منذ 8 اكتوبر 2021.

وتدركوا أنكم أنتم من يدفع ثمن تذاكر الفرجة كل خمس سنوات.

حينها فقط..

ربما يصبح لكم رأي.

وربما يصبح لكم موقف.

وربما يتوقف “الطباخ” عن العبث بالمقادير.

أما دون ذلك، فالنار مشتعلة، والقدر يغلي بالجميع.

لذلك، لا تشفقوا على أخنوش.

وأشفقوا على أنفسكم.

الرجل سيعود إلى عالمه.

إلى أرقامه التي لا تخطئ.

إلى تقييم حصيلة ثروته الحكومية،

إلى صفحات مجلة “Forbes”

للتنافس على المراتب المتقدمة ضمن لائحة أثرياء العالم.

سيغلق عزيز الباب خلفه بإحكام.

وسيترك لمن بعده مهمة مستحيلة:

محاولةَ إقناعنا بأن ما حدث كان “سياسة”.

وليس “سطواً” مقنناً بغفلتنا.

ارحل يا عزيز.

لقد أديت الأمانة.

وفضحت الوصفة.

واسترح.

فقد أتعبتنا.

وأتعبت حتى “إبليس” الذي ربما وقف مذهولاً أمام دقة التخطيط وروعة الهروب والإفلات من المحاسبة والعقاب.

التعليقات مغلقة.