الانتفاضة // توفيق بوعشرين
السلطة أهم من المال.
لكن السلطة تأتي وتذهب.
والمال… يبقى.
هذه حقيقة يعرفها جيدًا رجال ونساء الأعمال الكبار،
الذين يطوفون بدوائر القرار في البلاد،
ويستثمرون في الزمن السياسي كما يستثمرون في التجارة والصناعة والخدمات .
وهي أيضًا إحدى أكبر عيوب الديمقراطية في العالم:
ضعفها البنيوي أمام المال.
فما بالك بأنظمة هجينة،
لم تستقر بعد على ضفاف التقاليد الديمقراطية،
ولا على قواعد المؤسسات،
ولا على آليات الرقابة والمحاسبة.
في هذا السياق،
يبرز سؤال بسيط ومحرج:
ماذا يكره أخنوش؟
يكره شيئًا اسمه محاربة الفساد.
ويكره النزاهة.
ويكره كل خطاب يُدين تضارب المصالح.
يرى أن حرية التجارة والاستثمار والبيع والشراء
لا تعرف حدودًا،
ولا قيودًا،
ولا سقوفًا أخلاقية.
ويرى أن الغاية
تبرر كل وسيلة كل وسيلة .
يكره أخنوش حرية الصحافة،
ويكره الصحافيين المستقلين
غير المروّضين.
ولهذا يحيط نفسه بصحافيي الخدمة،
وبمقاولات القرب الإعلامي،
التي تمجّد إنجازاته،
وتسكت عن عيوبه،
وتدافع عنه أمام خصومه.
في هذا المنطق:
لكل قلم ثمن عنده ،
ولكل جريدة إعلان او أكثر ،
ولكل موقع شيك،
ولكل إذاعة أو تلفزة
عقد شراكة وهو بالتعريف عقد إذعان .
مرةً، قررت شركة سوناكوس للبذور الفلاحية،
التابعة لوزارة الفلاحة في عهد أخنوش،
قطع إعلاناتها عن جريدة أخبار اليوم.
وصرّح مديرها آنذاك،
بلا خجل لوكالة الصحافة الفرنسية ،
أن الخط التحريري للجريدة
يتناقض مع توجهات التجارية للشركة .
فأجبته، بصفتي مديرا للجريدة وصاحب تحقيق ( قوالب الوزراء الذي استولى اخنوش بموجبها على توقيع بنكيران على صندوق تنمية العالم القروي في غفلة منه ):
كيف يتناقض خط تحريرنا
مع خط شركتكم؟
هل توزّعون حبوب منع الحمل
ونحن ندعو إلى تكثير النسل؟
أنتم توزّعون حبوب الزراعة،
وتنفذون تعليمات أخنوش.
ونحن ننتقده.
وعوض ان يرد علينا المليردير ،
اختار قطع الإشهار عن الجريدة لخنقها ماليا دون ان تصدر عن بنكيران اية ردة فعل او استنكار وهو ومن كان معه من وزراء من كل لون !.
سياسة استعمال سلاح الإشهار لتوريض خطوط تحرير الصحف سياسية معروفة في كواليس السلطة بالمغرب،
لكنها تُطبَّق عادة في الخفاء،
لا ببلاغات رسمية
صادرة عن مؤسسة عمومية.
غير أن سوناكوس،
ومديرها آنذاك السيد محمد كريم غريط،
وأخنوش،
كان لهما السبق
في إعلان سياسة استعمال الإشهار العمومي
وسيلة للتحكم في الخطوط التحريرية
للصحافة المستقلة.
وحين تبيّن أن سيف الإعلانات لم يُجدِ،
انتقلوا إلى سلاح آخر:
رفع دعاوى قضائية
ضد الجالس أمامكم،
وأمام الكاميرا.
حُوكمت غيابيًا
وأنا في السجن..
والقصة تستحق أن تُروى بتفاصيلها.
كتبت آنذاك افتتاحية في أخبار اليوم عنوانها ،
ترجمةً لقول الفرنسيين:
l’information est coûteuse،
بالمعنى الحرفي والمجازي معًا.
الملياردير يكره أيضًا
ربط المسؤولية بالمحاسبة،
ويكره مؤسسات الحكامة،
واستقلال القضاء.
هو ابن ثقافة
ترى أن اليد العليا للسلطة
يجب أن تبقى فوق كل يد،
وأن ثقافة المخزن
تراث وطني
يجب الحفاظ عليه بأي ثمن.
يكره التفاوض مع الفرقاء:
رجال ونساء التعليم، الطلبة، المحامين الصحافيين ،
العدول،
الجمعيات.
وماذا يحب أخنوش؟
يحب المال،
ومعه السلطة،
ومعهما القرب والحماية.
يحب الاشتغال في السر،
وفي الظلام،
ومن (تحتها ).
ويكره الشفافية،
وكثرة الأضواء.
يحب الولاء،
والطاعة،
والخنوع لمن يشتغلون تحت يده .
يحب الثقافة الغربية،
لكن بدون ديمقراطية.
يحب اللغة الفرنسية،
لكن بدون فلسفتها،
ولا آدابها،
ولا منطقها،
ولا إرثها السياسي والفكري .
يحب الشراكات المنتجة للربح،
مع بقاء يده
هي العليا.
هذا رجل، اليوم،
على حافة الغروب السياسي.
له ما له،
وعليه ما عليه.
ستُطوى صفحته
من سجل الحكومة والأحزاب،
لكن إرثه سيبقى معنا
طويلًا، طويلًا، طويلًا.
إرثه هو إفراغ السياسة من بعدها التطوعي النبيل،
وإفراغ الحزب من مضمونه السياسي، والتعددي، والفكري.
أما إرثه الأكبر،
فهو هذا:
المال،
حين يفترس كل شيء يقف أمامه،
يفعل ذلك بلا رحمة
ولا شفقة.
التعليقات مغلقة.