عودة الشيخ إلى صباه: حين تتحول المزايدة إلى عبئ على الدولة

الانتفاضة

حين يصرّح الشيخ الفيزازي بأنه سيشجّع الكونغو ضد الجزائر، فنحن لا نكون أمام موقف رياضي عابر، ولا حتى أمام نكتة ثقيلة الظل، بل أمام سلوك رمزي مشحون يُستثمر فيه الدين والصفة الدعوية في معركة لا تخدم لا الوطن ولا صورته ولا خياراته الاستراتيجية.
المفارقة الصارخة أن هذا التصريح يأتي في لحظة كان فيها جلالة الملك محمد السادس، في خطاب أكتوبر، قد وجّه رسالة واضحة ومباشرة إلى “إخواننا الجزائريين”، رسالة محبة وسلام وحسن جوار، أكدت مرة أخرى أن الدولة المغربية، في أعلى هرمها، اختارت طريق التهدئة الاستراتيجية لا المزايدة الشعبوية، والعقل السياسي لا الانفعال الغريزي.
لكن يبدو أن بعض “المتصابين للوطنية” لا يلتقطون إشارات الدولة، أو ربما لا يريدون التقاطها أصلاً. هؤلاء يعتقدون أن رفع السقف الخطابي، واستفزاز الجار، وتغذية الكراهية الرمزية، هو خدمة للوطن، بينما هو في الحقيقة تشويش على الدبلوماسية الرسمية، وإحراج غير ضروري للدولة، وتغذية مجانية لخطاب العداء.
الفيزازي، الذي يفترض فيه بحكم موقعه الرمزي والدعوي أن يكون صوت تهدئة وحكمة، عاد فجأة إلى صباه الخطابي، حيث تغلب الرغبة في إثارة الانتباه على تقدير العواقب. فالدولة لا تُخدم بالضجيج، ولا تُقوّى بالمناكفات الفجة، ولا تُدعم بتحويل كل مناسبة إلى فرصة لتصفية حسابات نفسية أو سياسية.
ثم لنسأل السؤال الجوهري:
هل يحتاج المغرب اليوم إلى شيوخ يشجعون ضد هذا أو ذاك؟
أم يحتاج إلى خطاب عقلاني يميز بين الخلاف السياسي مع النظام الجزائري، والاحترام الواجب للشعب الجزائري؟
الخلط بين الأمرين ليس بريئاً، وهو بالضبط ما تراهن عليه بعض الأصوات المتشنجة في الجهة الأخرى من الحدود. وعندما ننساق نحن إلى نفس الأسلوب، نكون قد لعبنا داخل ملعب الخصم وبقواعده.
الأخطر في خطاب الفيزازي وأمثاله ليس فقط استفزازه، بل توهمه أنه يتحدث باسم الدولة أو يعبر عن مزاجها. والحقيقة أن الدولة المغربية، بتاريخها ومؤسساتها وخياراتها، أكبر من هذه الشعبويات الصغيرة، وأذكى من أن تدار بعقلية “التشجيع ضد”.
الوطنية ليست في رفع الصوت، ولا في السخرية من الجار، ولا في تحويل الخلاف السياسي إلى خصومة وجدانية. الوطنية، كما عبّر عنها الملك، هي مدّ اليد حتى عندما تُقابل بالجفاء، والتمييز بين النظام والشعب، وبين الصراع والعداء.
لهذا، فإن الفيزازي لا يخدم الدولة كما يعتقد، بل يسيء إليها دون أن يشعر، لأن الدولة التي اختارت طريق التعقّل لا تحتاج إلى من يعيدها إلى زمن المراهقة السياسية.

التعليقات مغلقة.