الانتفاضة
في سجل الذاكرة الفنية المغربية، يبرز اسم الحاج الحسين التولالي كأحد أعمدة فن الملحون، ليس فقط بصوته؛ بل برسالته، وبحياته التي نذرها لحماية هذا التراث من النسيان والتشويه.
ولد الحاج الحسين التولالي سنة 1924 بحي تولال قرب مدينة مكناس، في بيئة أمازيغية كانت لغتها الأولى الشلحة، لم يلتحق بالمدرسة النظامية؛ لكن الحياة علمته ما لا تعلمه الكتب؛ فتنقل بين مكناس وفاس، وتعلّم الصنعة، واكتشف الدارجة المغربية التي ستصبح وعاءه الفني، ومنها ولج عالم الملحون بشغف مبكر، حتى صار مولوعا بحفظ القصائد وإنشادها بدقة وإحساس نادرين.
وبفضل ذاكرته القوية وصوته العميق، اختاره شيوخ الملحون لمرافقتهم، فصقل موهبته وتحول إلى فنان محترف، وأحد أكثر منشدي الملحون شهرة في المغرب.
وظل إشعاعه محليا، وحمل الملحون المغربي إلى فرنسا وهولندا، ووقف على مسارح باريس، حيث كتبت عنه جريدة لوموند الفرنسية سنة 1994، اعترافا بقيمة هذا الفن المغربي العريق.
وكان التولالي رحمه الله مشروعًا ثقافيا متكاملا، أسس مدرسة خاصة لتعليم فن الملحون، هدفها حماية هذا التراث من الذوبان أمام زحف الموسيقى الغربية، وجمع القصائد من أفواه الشيوخ وأهل الذكر، محافظا على بنيتها الزجلية الغنية، وصورها البلاغية المتجذرة في عمق التاريخ المغربي وتنوع لهجاته وأصوله.
تخرج على يديه جيل كامل من الفنانين والمنشدين، من بينهم سعيد المفتاحي، وعدد من الأصوات النسائية التي تأثرت بأسلوبه، مثل ماجدة اليحياوي، نعيمة الطاهري، وثريا الحضراوي.
وإذا كان التولالي قد حمى الملحون فنيا، فإن الدكتور عباس الجراري صانه أدبيا، فالتقت الرسالتان في خدمة تراث شعبي أصيل.
ومن أشهر القصائد التي أبدع في إنشادها الحاج الحسين التولالي:
الشمعة، الدار، حمان، غيثة، فاطمة، خلخال عويشة، وغيرها من روائع الملحون. كما خلف تسجيلات خالدة، من بينها: الطرب الخالد، روائع الملحون، وملحون مكناس.
رحل الحاج الحسين التولالي يوم 7 دجنبر 1998 بمدينة مكناس عن عمر ناهز 74 سنة، وشيعته قصيدة ملحونية حملت اسمه تكريما لمساره، رحل الجسد، وبقي الصوت، وبقي الملحون حيا بفضل رجال آمنوا أن التراث ماضي يُحكى، وأمانة تُحمى.
التعليقات مغلقة.