ما تْعولُوش عْلِيّا!

الانتفاضة  // أيوب الرضواني 

أكتوبر 1981، وبعد سنتين فقط من توقيع اتفاق التطبيع مع دولة الاحتلال وسط غضب رسمي وشعبي عارمين، وطعن أمة بأكملها في الظهر. أمة، ورغم كل مساوءها وقفت معه من المحيط إلى الخليج، أخبر الأمريكيون الرئيس المصري أنور السادات بأن لديهم معلومات استخباراتية عالية الدقة بكون حرسه الخاص يُدبر لاغتياله. فما كان مِن مَن اعتقد نفسه بطل الحرب والسلام إلا أن أمر بتجريد حرسه من السلاح!

يوم واحد قبل السادس من أكتوبر 1981، التحق خالد الإسلامبولي ورفاقه بلائحة العرض العسكري في الدقيقة تسعون، حصلوا على القنابل والرصاص وإبر ضرب النار ولم يُفتشوا…وبمجرد مرور شاحنتهم أمام منصة سيادة الرئيس حتى اقتنصوه كالحمامة، مع تدخل الحرس برمي الكراسي والطاولات لحماية رأس البلاد!

أخذ المهاجمون راحتهم في إفراغ خزائنهم في جسد الرئيس السادات، ولم يرد عليهم بالرصاص سوى الأجنبي (المُلحق العسكري الأمريكي ومبعوث سُلطان سلطنة عُمان).

بسبب حرب فيتنام، قررت الولايات المتحدة تعيين شرطة للشرق الأوسط وعدم الانجرار كرة أخرى في مستنقع قد لا تخرج منه. وظّفت بين 1969 و1979 شاه إيران (محمد رضى بهلوي) إلى جانب إسرائيل لحفظ الأمن في المنطقة، مُزودة إياهم بالمال والسلاح والعتاد، في مهمة أتقنها الشّاه بكل تجرد وإخلاص.

لكن، وبمجرد اندلاع ثورة 1979، رفضت واشنطن منح شرطيها المُخلص (الشاه) حتى تأشيرة لدخول أراضيها، وظل يطرق أبواب الغرب دون استجابة إلى أن استقبله صديقه السادات، والذي لقي نفس الخيانة…من نفس الأصدقاء!

بقي الرئيس المصري محمد حسني مبارك خادم أعتاب الأمريكي ومن وراءه الإسرائيلي لأزيد من 30 سنة، حتى أنا تقاريرا تفيد أنه (مبارك) وقف في وجه تسوية مشكلة غزو العراق للكويت عربيا عام 1990 وبداية 1991، لصالح التدخل الأمريكي، مقابل إلغاء 30 مليار دولار من ديون أمريكا والغرب على القاهرة (عادت وارتفعت في عهد السيسي ل160 مليار دولار!).

ولكن، ومع هبَّة المصريين في وجهه، راسله الرئيس الأمريكي باراك أوباما وأخبره بضرورة التنحي. استدعي الفريق سامي عنان، رئيس أركان حرب القوات المسلحة المصرية لواشنطن، لترتيب خطوات إزاحة (الخادم السابق) وتسلم المجلس الأعلى للقوات المسلحة زمام الأمور…والله الموفق والمُستعان!

دجنبر 2003، هرول العقيد معمر القذافي حاكم ليبيا لتسليم ترسانته وخططه لامتلاك “أسلحة دمار شامل” لواشنطن بعد غزو العراق، بل وأفشى (دون ضغط) سر العقل الباكستاني الذي سلَّم التكنولوجيا النووية لإيران وكوريا الشمالية وليبيا ( عبد القدير خان)، ما كلف الأخير البقاء لسنوات حبيس الإقامة الجبرية في بيته حتى توفاه الله.

طبّع القذافي مع الغرب وكفر بقضية فلسطين داعيا لإقامة دولة واحدة (إسراطين). كما دفع أكثر من 2 مليار دولار تعويضات لضحايا إسقاط طائرة لوكربي عام 1988، و35 مليون دولار لقتلى تفجير ملهى لابيل في برلين 1986. أفرج سنة 2007 عن ممرضات بلغاريات وطبيب فلسطيني أدينوا قضائيا بنقل مرض السيدا ل400 طفل ليبي.

كل ذلك لم يشفع للزعيم القائد ساعة الحسم، فاصطادته طائرة أمريكية بدون طيار ومقاتلة ميراج 2000 فرنسية، دقائق معدودة بعد محاولة موكبه الهروب من سرت صوب الصحراء الليبية خريف العام 2011.

الرئيس الباكستاني برويز مشرف، الرئيس الفلبيني فرديناند ماركوس، مانويل نوريجا رئيس بنما، بينوشيه دكتاتور تشيلي، موبوتو رئيس الكونغو، ابن علي رئيس تونس وغيرهم الكثير، كلها أمثلة تقول أن لا تقة في عتيقة (أمريكا) ولا في ابنتها (تل أبيب)، سواء في خدمة الأنظمة أو البلدان أو الشعوب!

فباستثناء إسرائيل، التي تتحالف واشنطن معها كدولة وكيان، تعتبر أمريكا كل أنظمة المنطقة أعواد ثقاب تُستعمل لمرة واحدة وتُرمى، خصوصا إن فقدت تلك الأنظمة الدعم والحاضنة الشعبية.

لا جدوى إذن من الرهان على من بنى (مدنِيَّة) بقوة السلاح وبطش رعاة البقر، ولا على من جادل الله في بقرة وقتل أنبياءه بغير حق.

ليُطرح السؤال: أين توجد القوة والحماية الحقيقيين؟

الجواب:

✓لدى 4,3 مليون شاب وشابة يتسركلون دون عمل ولا دراسة ولا تكوين.

✓لدى 3,2 مواطن انزلقوا تحت خط الفقر بعد 67 عاما من الاستقلال.

✓في مدارس عمومية عقيمة يتم التخطيط لتسليمها لإدارة أصحاب الشكارة، بحجة الكفاءة وتحت عباءة أسطورة التمويل المبتكر.

✓في جامعات طلَّقت العلم، خرجت من التصنيف وتخصصت في تفريخ آلات بشرية تقبل بأي عرض مقابل البقاء على قيد الحياة.

✓في أقسام إنعاش وغسيل كلى سُلمت لوحوش القطاع الخاص، وديون بالملايين تتراكم على فقراء المواطنين مقابل الاستفادة من أبسط الخدمات الآدمية.

✓القوة في مواطن يأخذ حقه في محكمة مهما كان منصب وثروة خصمه.

قُضي الأمر الذي فيه تستفتيان! وللقصة بقية..

التعليقات مغلقة.