الانتفاضة ✍️ محمد الشندودي //:متقاعد من القطاع العام
أكتب هذه الكلمات من قلب تجربة سنوات طويلة في القطاع العام، أعايش فيها إحباط الغياب والتهميش بعد العطاء الطويل. هذه القراءة شخصية، لكنها ليست انفعالية، فهي محاولة لفهم العلاقة المعقدة بين المتقاعد والأحزاب والنقابات، ولتوضيح أن الغضب المشروع لا يتحول إلى قوة إلا بالذكاء الجماعي والتنظيم الواعي، لا بالانسحاب أو القطيعة المطلقة.
وصلت علاقة أغلب المتقاعدين بالأحزاب السياسية والنقابات إلى مستوى مقلق من القطيعة والرفض المبدئي، ليس بدافع المزاج أو العناد، بل نتيجة تراكم خيبات سابقة وخذلان موصوف مارسته هذه الهيئات تجاه أطر إدارية قدمت الكثير، ثم وضعت على هامش الاهتمام بمجرد خروجها من دائرة الإنتاج الوظيفي. هذا الشعور بالتهميش لم ينشأ من فراغ، بل تغذى من غياب واضح لملفات مطلبية جادة تخص المتقاعدين، ومن خطاب موسمي يستحضرهم عند الحاجة، ثم يعيد نسيانهم بعد انقضاء الظرف.
هذا التنافر جعل المتقاعد ينظر إلى الأحزاب والنقابات باعتبارها جزءا من المشكلة لا من الحل، ويربط إقصاءه الاجتماعي والاقتصادي بإهمال هذه المؤسسات لمسؤوليتها التاريخية تجاهه. غير أن هذا التموقع، على وجاهة دوافعه، يظل قاصرا إن تحول إلى قطيعة مطلقة، لأنه يعفي هذه الهيئات من ضغط الفعل المنظم، ويحول الغضب المشروع إلى عزلة غير منتجة.
فمهما بلغت درجة الخذلان، تبقى الأحزاب السياسية والنقابات مؤسسات دستورية لا يمكن تجاوزها في مسار التفاوض وتحقيق المطالب، سواء تعلق الأمر بالتشريع أو بالضغط الاجتماعي أو بالترافع المؤسساتي. المرور عبرها لا يعني الانتماء الأعمى، ولا يفرض الولاء التنظيمي، كما لا يستوجب حساسية زائدة أو تنازلا عن الاستقلالية. هو تعامل وظيفي، عقلاني، يفرضه ميزان القوة وقواعد الاشتغال داخل الدولة الحديثة.
وإذا كان المتقاعد إطارا إداريا واعيا، وخبيرا بتعقيدات القرار العمومي ومساطر التفاوض، فلا ينبغي أن تغيب عنه هذه الحقائق. القطيعة الشاملة قد ترضي النفس الجريحة، لكنها لا تنتج مكاسب. أما الذكاء الجماعي، فيكمن في استخدام الأدوات المتاحة، والضغط من داخل المؤسسات دون الارتهان لها، وبناء علاقات نقدية لا تبعية، وصلبة لا عدائية.
إن الرهان اليوم ليس في الهروب من السياسة ولا في شيطنة النقابة، بل في إعادة تعريف العلاقة معهما على أساس الندية والمصلحة العامة. متقاعد واع، منظم، مستقل في قراره، قادر على الترافع بذكاء، هو وحده القادر على تحويل الغضب إلى قوة اقتراح، والذاكرة الإدارية إلى رافعة تغيير. أما الاستمرار في القطيعة، فلن يؤدي إلا إلى مزيد من التهميش، في زمن لا يعترف إلا بمن يعرف كيف يفاوض، لا بمن ينسحب.
التعليقات مغلقة.