الانتفاضة // ✍🏻 بقلم: شاكر ولد الحومة
أثارت الترقيات الأخيرة داخل الإدارة العامة للأمن الوطني نقاشاً هادئاً لكنه عميق، بعد أن لوحظ غياب أسماء راكمت سنوات من العمل الجاد والمسؤولية، خصوصاً في مجالات التسيير الإداري التي تشكل ركيزة أساسية لاستقرار ونجاعة المرفق الأمني.
هذا المعطى، وإن لم يُعبَّر عنه بصخب أو احتجاج معلن، كشف عن حالة من الاستياء الصامت في أوساط أطر عُرفت بالكفاءة والانضباط وحسن التدبير، لكنها وجدت نفسها خارج دائرة الترقية، دون توضيح كافٍ للمعايير المعتمدة أو أسباب هذا التجاوز.
ولا يخفى أن الترقيات داخل المؤسسات الكبرى تخضع لاعتبارات متعددة، غير أن الإشكال الذي يطرح نفسه بإلحاح هو مدى انسجام هذه القرارات مع مبدأ تكافؤ الفرص، ومدى ارتباطها الفعلي بمؤشرات الأداء والاستحقاق، لا بمظاهر الظهور أو الحضور الإعلامي.
ففي مقابل أسماء تحظى أحياناً بقدر من الضوء، هناك كفاءات اختارت العمل في صمت، وفضّلت منطق الواجب على منطق الواجهة، وأسهمت في تدبير ملفات دقيقة وضمان استمرارية العمل الإداري بكفاءة عالية. هذه الفئة، التي تشكل العمود الفقري لأي إدارة ناجحة، غالباً ما تكون أقل حضوراً في المشهد، لكنها أكثر حضوراً في النتائج.
إن تغييب هذه الكفاءات لا يمكن اختزاله في كونه إجراءً إدارياً عادياً، لأن له آثاراً نفسية ومهنية عميقة. فحين يشعر الموظف بأن سنوات من الالتزام والمسؤولية لم تُقابل بالتقدير، يتسلل الإحباط إلى النفوس، وتتراجع الدافعية، ويتكرس إحساس بالظلم يصعب تجاوزه. هذا الأثر لا يبقى فردياً، بل يمتد ليؤثر في المناخ العام للعمل، حيث تتحول روح المبادرة إلى أداء روتيني، والحماس إلى فتور صامت.
وعلى المستوى العملي، فإن إقصاء الكفاءات الإدارية ينعكس سلباً على جودة التسيير، ويبدد تراكم الخبرة، ويُفرغ آليات التحفيز من محتواها الحقيقي، ويوجه رسالة غير مباشرة مفادها أن العطاء الفعلي ليس دائماً معياراً حاسماً للترقية. ومع مرور الوقت، يصبح الاجتهاد خياراً غير مغرٍ، وتفقد الإدارة جزءاً من قدرتها على استثمار أفضل طاقاتها البشرية.
إن طرح هذا النقاش لا يرمي إلى التشكيك في مؤسسة وطنية تحظى باحترام واسع، بل يندرج في إطار التنبيه إلى أهمية ترسيخ العدالة المهنية والشفافية في التدبير. فقوة المؤسسات لا تُقاس فقط بصرامة قراراتها، بل بقدرتها على الإنصاف، وبمدى حفاظها على الثقة الداخلية التي تشكل أساس الاستقرار والنجاعة.
فالترقية، حين ترتبط بالاستحقاق، تكون حافزاً مشروعاً ودافعاً للأداء الأفضل، أما حين تنفصل عنه، فإنها تتحول إلى مصدر إحباط، ويصبح الصمت ثقيلاً، وتفقد الإدارة أحد أهم مقومات قوتها: الثقة في عدالة المؤسسة.
التعليقات مغلقة.