الانتفاضة // نور الهدى العيساوي
عرفت الداخلة خلال السنوات الأخيرة دينامية متسارعة نقلتها من هامش الجغرافيا إلى قلب الاهتمام الاقتصادي الدولي، بعدما أصبحت محط أنظار المستثمرين بفضل رؤية تنموية متكاملة تجمع بين استثمار المؤهلات الطبيعية وإطلاق أوراش استراتيجية كبرى ذات امتداد إقليمي وعالمي.
وفي صلب هذا التحول، يبرز مشروع ميناء الداخلة الأطلسي كأحد أعمدة الرهان الجيو-اقتصادي الجديد للمدينة. فقد جرى تصميم هذا المركب المينائي الضخم ليكون منصة وصل متقدمة بين المغرب وأوروبا وغرب إفريقيا والواجهتين الأمريكية، ضمن تصور أشمل يهدف إلى تعزيز التعاون جنوب-جنوب، ومنح بلدان الساحل غير المطلة على البحر منفذاً استراتيجياً للتجارة الدولية ودينامية التنمية.
ولا يقف دور الميناء عند حدود الأنشطة المرفئية، بل يتكامل مع منظومة واسعة تشمل شبكات ربط طرقي وبحري متطورة، وإحداث قطب صناعي متخصص في أنشطة الصيد البحري، إضافة إلى منطقة صناعية ولوجستية موازية، ما يرفع من قدرته على جذب الاستثمارات النوعية وإنتاج قيمة مضافة مستدامة.
هذا الزخم المينائي يندمج بدوره في التوجه الوطني نحو الطاقات المستقبلية، إذ يُرتقب أن يشكل ميناء الداخلة الأطلسي دعامة أساسية في استراتيجية المغرب للهيدروجين الأخضر، عبر تسهيل تصدير هذه الطاقة ومشتقاتها نحو الأسواق الدولية، ولا سيما الأوروبية التي تسابق الزمن لتأمين انتقالها الطاقي. وقد دفع ذلك عدداً من التكتلات الدولية إلى اختيار الداخلة لاحتضان مشاريع كبرى في مجال الهيدروجين والأمونيا الخضراء، بما يعزز مكانتها كقطب طاقي واعد.
وبموازاة ذلك، تستند جاذبية الداخلة إلى برنامج استثماري عمومي واسع النطاق همّ إنجاز طرق مهيكلة، وبنيات تحتية حديثة، ومناطق صناعية ومنصات لوجستية وطاقية، ما أوجد بيئة ملائمة لتوطين المشاريع الكبرى. كما تزخر الجهة بإمكانات مهمة في مجالي الطاقة الشمسية والريحية، إلى جانب مشروع لتحلية مياه البحر يعتمد على الطاقات المتجددة، بما يدعم الأمن المائي والاستدامة البيئية.
ومن موقعها الاستراتيجي على المحيط الأطلسي، تسعى الداخلة إلى ترسيخ دورها كحلقة وصل اقتصادية بين أوروبا وإفريقيا، مستفيدة من الدينامية المتنامية التي تشهدها العلاقات المغربية-الفرنسية، ومن مستوى الشراكات الاقتصادية المتقدمة بين البلدين. وقد تُرجم هذا التوجه عملياً من خلال تنظيم لقاءات اقتصادية رفيعة المستوى جمعت فاعلين من القطاع الخاص المغربي ونظراءهم الفرنسيين، اتخذوا من الداخلة فضاءً للحوار واستكشاف فرص الاستثمار.
هكذا، لم تعد الداخلة مجرد مدينة في أقصى الجنوب، بل تحولت إلى منصة استثمارية صاعدة، قوامها الموقع الاستراتيجي، وتنوع الموارد الطبيعية، وتكامل المشاريع الكبرى، ما يؤهلها لاحتلال موقع متقدم ضمن الخريطة الاقتصادية الإقليمية والدولية في السنوات المقبلة.
التعليقات مغلقة.