في مراكش… لقاء فكري يضع الإنسان المرقمن تحت المجهر

الانتفاضة 

شهد المركب الثقافي الداوديات بمراكش مساء الاثنين 08 دجنبر 2025 تنظيم لقاء فكري حاشد خصّص لمناقشة كتاب: سيكولوجيا الإنسان المرقمن: التنشئة الخوارزمية وبناء الهوية في عصر الثورة الرقمية” للباحث المغربي الدكتور المصطفى شكدالي، أحد أبرز الأسماء العربية في دراسة التحولات النفسية المرتبطة بالرقمنة.
اللقاء نظمّه مركز رؤى للأبحاث والدراسات والتكوينات في التربية والتنمية، بشراكة مع المديرية الجهوية لوزارة الشباب والثقافة والتواصل بمراكش، ضمن سلسلة الأنشطة الهادفة إلى فهم أثر التكنولوجيا على الإنسان المغربي والمجتمع بشكل أعمق.

افتتاح برؤية واضحة: كلمة رئيس المركز
افتتح الندوة الأستاذ عبد العزيز السيدي، رئيس مركز رؤى، مؤكدًا أن الرقمنة لم تعد شأنًا تقنيًا معزولًا، بل أصبحت قضية ثقافية ومجتمعية تتطلب يقظة ووعيًا جديدين.
السيدي أوضح أن اختيار كتاب شكدالي لهذه القراءة الجماعية لم يكن اعتباطيًا، لأنه يتناول الجانب الخفي للثورة الرقمية:
الإنسان والوعي والسلوك في زمن الخوارزميات.

سالمة الراجي… قيادة فكرية سهّلت عبور الأسئلة
أدارت الندوة الدكتورة سالمة الراجي، التي برز حضورها باعتباره إضافة نوعية للقاء، بفضل:
• ضبطها للمحاور
• إدارتها الهادئة للنقاش
• قدرتها على خلق خيط ناظم بين المداخلات
مما منح الأمسية انسجامًا واضحًا رغم تنوع تخصصات المتدخلين.

هشام فرجي… قراءة تقنية أعادت النفَس العلمي للقاء
قدّم الباحث هشام فرجي مداخلة قوية ذات طابع تقني–تربوي، ركّز فيها على كيفية اشتغال الخوارزميات في تشكيل السلوك والميول لدى الإنسان، خصوصًا عند الأطفال والمراهقين.
وتناول فرجي، وهو باحث في الذكاء الاصطناعي ومدير مؤسسة تعليمية، النقاط التالية:
• آليات التنشئة الخوارزمية في المنصات الرقمية
• تأثير الدوبامين الرقمي على الدماغ والقدرة على التركيز
• خطورة الاعتماد غير الواعي على الأنظمة التعليمية الذكية
• التحولات المعرفية لدى جيل الألفا
• هشاشة الهوية في ظل المحتوى المخصص
وقد اعتبر عدد من الحاضرين أن مداخلته منحت اللقاء “روحًا علمية” عززت الجانب السيبراني في قراءة الكتاب.

القراءة الفلسفية… حين يتكلّم القلق الوجودي
من جانبه، تناول الدكتور حسن الوفا، المتخصص في الفلسفة المعاصرة، الكتاب من زاوية وجودية، معتبرًا أن الإنسان يعيش اليوم داخل فضاء رقمي يهدد مفاهيمه التقليدية عن:
• الحرية
• الهوية
• الوجود
• ومسارات تشكل الذات
ورأى الوفا أن “الإنسان المرقمن” ليس مجرد مستخدم للآلة، بل كائن يُعاد تشكيله عبر الشاشة، وهو ما يجعل الكتاب مساهمة فكرية ضرورية لفهم هذا التحول.

البعد الاجتماعي… قراءة المنصوري
أما الأستاذ عبدالعزيز المنصوري، المختص في علم الاجتماع، فقد قدم قراءة ركّزت على أثر الخوارزميات في البنية الاجتماعية، مشيرًا إلى:
• صعود الفقاعات الرقمية
• ضعف الروابط الأسرية التقليدية
• تشكل انتماءات جديدة عبر العالم الافتراضي
• تحول العلاقات الإنسانية تحت ضغط التفاعلات السريعة
وأكد المنصوري أن المجتمع المغربي يعيش هذه التحولات بوتيرة متسارعة، مما يجعل الحاجة إلى الوعي الرقمي أمرًا ملحًا.

شهادة المؤلف… السياق والأسئلة والمخاوف
اختُتم اللقاء بكلمة موسعة قدّمها صاحب العمل الدكتور المصطفى شكدالي، تطرق فيها إلى:
• الظروف التي أحاطت بكتابة الكتاب
• الأسئلة النفسية التي قادته إلى البحث
• الحاجة إلى تأسيس علم نفس سيبراني عربي
• ضرورة إعادة الإنسان إلى مركز التكنولوجيا
• مخاطر “تشييء الإنسان” في الزمن الرقمي
وأكد شكدالي أن الكتاب ليس دفاعًا عن الإنسان بقدر ما هو دعوة لاستعادته في عالم تتراجع فيه الحدود بين الطبيعي والرقمي.

نقاشٌ واسع… ووعي يتشكل
تميز اللقاء بتفاعل كبير من الباحثين والطلبة، الذين طرحوا أسئلة مست قضايا:
• الإدمان الرقمي
• أثر الفلاتر على صورة الجسد
• مستقبل المدرسة المغربية
• علاقة الطفل بالذكاء الاصطناعي
• حدود الحماية الرقمية الممكنة
لينتهي اللقاء بتوصيات تدعو إلى:
• تعزيز التربية الرقمية
• إدماج الوعي الخوارزمي في المناهج
• دعم البحث العلمي في المجالات السيبرانية

خلاصة: حدث يكرّس الحاجة إلى وعي جديد
قدّم هذا اللقاء صورة واضحة عن التحولات العميقة التي يعيشها المجتمع المغربي في زمن الخوارزميات، وأبرز أن الإنسان اليوم في حاجة إلى:
وعي رقمي مسؤول، تربية متجددة، وفلسفة تُضيء الطريق.
وتظل قراءة كتاب “سيكولوجيا الإنسان المرقمن” خطوة مهمة في هذا المسار، لأنها تضع الإنسان ، لا الآلة ، في قلب النقاش.

التعليقات مغلقة.