الانتفاضة
يقدّم دي فيته واحدة من أهم الدراسات التوثيقية حول اغتيال الزعيم الكونغولي باتريس لومومبا سنة 1961، مبيناً بالدليل الأرشيفي أنّ قتله لم يكن «حادثاً محلياً» بل عملية مُحكمة تقاطعت فيها المصالح البلجيكية والأمريكية والأمم المتحدة والنخب الكونغولية.
الكتاب شهادة على كيف حُطّم أمل الاستقلال الإفريقي عبر تواطؤ استعماري – دولي متخوف من صعود زعيم وطني راديكالي.
و يكشف المؤلف كيف ترك الاستعمار البلجيكي الكونغو في وضع هشّ: مؤسسات ضعيفة، جيش غير منضبط، طبقة سياسية منقسمة. هذه البيئة جعلت أي مشروع استقلالي حقيقي – مثل مشروع لومومبا – تهديداً مباشراً للمصالح الأوروبية.
يركّز دي فيته على تصوير لومومبا كـ “راديكالي غير منضبط” أو كوكيل سوفييتي محتمل، وهي سردية روّجتها أجهزة المخابرات الغربية لتبرير التدخل.
يظهر الكتاب كيف أن لومومبا كان في الواقع وطنيّاً إصلاحياً يرفض الوصاية الغربية.
و من خلال وثائق رفعت عنها السرية، يثبت المؤلف وجود تخطيط واضح لإقصاء لومومبا:
دعم مباشر لانقلاب جوزيف موبوتو.
أوامر عملياتية من بلجيكا بضرورة “تحييد” لومومبا.
تعاون استخباراتي أمريكي–بلجيكي لضمان سقوط الحكومة الشرعية.
كما يوثّق دي فيته بالتفصيل:
اعتقال لومومبا وتسليمه لخصومه.
نقله إلى كاتانغا الخاضعة لسيطرة الانفصاليين المدعومين من بلجيكا.
الفوضى التي رافقت وجود قوات الأمم المتحدة وغيابها المتعمّد عن حماية رئيس الوزراء الشرعي.
لحظة التنفيذ الفعلية: إطلاق النار، ثم التخلّص من الجثة بأوامر بلجيكية مباشرة.
و يشرح المؤلف كيف امتنعت الأمم المتحدة عن التدخل لحماية لومومبا، رغم كونها تمتلك التفويض والقدرة. هذا الصمت كان، في قراءة المؤلف، جزءاً من بنية أوسع من ازدواجية المعايير الاستعمارية الجديدة.
هذا و يختم دي فيته بربط الاغتيال بالتحولات اللاحقة:
تحويل الكونغو إلى دولة حليفة للغرب خلال الحرب الباردة.
إخماد أي مشروع استقلالي جذري.
إدخال إفريقيا في مرحلة طويلة من “الاستقلال الشكلي”.
و أحدث الكتاب عند صدوره صدمة واسعة لأنه قدّم اتهاماً مباشراً ووثائقياً للحكومة البلجيكية.
في الصحافة الأوروبية، اعتُبر عملاً تأسيسياً في إعادة كتابة تاريخ الاستعمار المتأخر.
داخل الأوساط الأكاديمية، نُظر إليه كتحقيق تاريخي صارم، وإن اتُّهم أحياناً بالمبالغة في تقدير دور الأمم المتحدة.
أدّى تأثيره المباشر إلى لجنة تحقيق برلمانية بلجيكية اعترفت لاحقاً بمسؤولية بلدها الأخلاقية عن اغتيال لومومبا.
إن مشروع التحرر الإفريقي تعرّض للتدمير ليس بسبب ضعف داخلي فحسب، بل بفعل بنية استعمارية دولية كانت ترى في أي نهضة وطنية تهديداً لمصالحها.
إنه درس تاريخي حول كيف تُصنع “الوفيات المعلنة” حين تتقاطع السلطة، المصالح العسكرية، والاستخبارات، مع صمت المجتمع الدولي.
نشير إلى أن لودو دي فيته (مواليد 1956، بلجيكي) باحث وناشط سياسي في قضايا العدالة الدولية والاستعمار، يُعرف بتحقيقاته التي تعتمد على الأرشفة الدقيقة والمساءلة الأخلاقية للسلطات. يشتهر بكونه أحد أبرز الأصوات التي أعادت فتح ملف اغتيال لومومبا، وفي أبحاثه ميل واضح إلى فضح آثار الاستعمار الجديد في إفريقيا.
فالكتاب نصّ تاريخي حاسم أعاد تشكيل فهم اغتيال أحد أهم رموز التحرر الإفريقي.
و يبرهن دي فيته أن قتل لومومبا لم يكن حدثاً عابراً، بل عملية سياسية متكاملة شاركت فيها قوى دولية لإجهاض مشروع استقلالي حقيقي.
إنه كتاب عن ذروة العنف الاستعماري الجديد، وعن الثمن الذي يدفعه القادة الذين يصرّون على استقلال بلادهم.