خدعة الـ Black Friday .. كيف يتحوّل أكبر موسم للتخفيضات إلى لعبة نفسية واقتصادية؟

الانتفاضة // نور الهدى العيساوي

لم يعد “الجمعة الأسود” مجرد موسم للتسوق، بل تحوّل إلى ظاهرة إقتصادية عالمية تقوم على مزيج من التسويق النفسي، وإستراتيجيات العرض والطلب، ومهارة الشركات في توجيه سلوك المستهلكين نحو الشراء المفرط.

ورغم الوعود بتخفيضات “غير مسبوقة”، تكشف التحليلات أن جزءاً كبيراً مما يُقدّم للمستهلكين خلال هذا اليوم ليس سوى خدعة تجارية مدروسة تُبنى على توقعات الناس ورغبتهم في عدم تفويت الفرصة.

تبدأ الخدعة من خلال تضخيم قيمة التخفيضات، إذ تعتمد العديد من المتاجر على رفع الأسعار قبل أسابيع قليلة من موسم الجمعة السوداء ثم إعادتها لمستواها الطبيعي، ليبدو للمستهلك أن هناك خصماً كبيراً. هذه التقنية، التي وثّقتها تقارير عدة، تُعد واحدة من أكثر أساليب التسويق التضليلي انتشاراً، حيث يتحوّل السعر الحقيقي إلى مجرد أداة للتلاعب النفسي.

إلى جانب ذلك، تلعب الشركات على وتر العجلة والخوف من ضياع الفرصة. فعبارات من قبيل “العرض سينتهي بعد ساعات” أو “المخزون محدود” تُفعّل لدى المستهلك ما يُعرف بـ”فومو »؛ «  Fear Of Missing Out »  أي الخوف من فقدان شيء مهم أو الخوف من تفويت الفرصة، وغالباً ما يتّضح لاحقاً أن الكمية متوفرة، وأن السعر نفسه يستمر لبضعة أيام أخرى، بل قد ينخفض أكثر بعد انتهاء الحدث.

من جانب آخر، يدفع موسم الجمعة السوداء المستهلكين إلى اتخاذ قرارات شراء غير محسوبة، نتيجة الضغط الإعلامي والإعلاني المكثف. إذ تتحوّل الرغبة في اقتناء الضروريات إلى اندفاع نحو شراء الكماليات فقط لأنها معروضة بثمن مخفّض ظاهرياً. وهنا تكمن الخدعة الكبرى: تتحول العملية من “توفير المال” إلى “إنفاق المزيد”.

أما الشركات، فترى في هذا الموسم فرصة مضاعفة لزيادة الأرباح وتصريف المخزون القديم، عبر تقديمه في قالب “عروض مذهلة”. وفي الوقت نفسه، تُعد هذه الفترة اختباراً لقدرتها على السيطرة على السوق، وتعزيز الولاء لعلاماتها التجارية من خلال إيهام المستهلك بأنه استفاد من صفقة استثنائية.

في النهاية، ليست خدعة الـ Black Friday مجرد تضليل بسيط في الأسعار، بل منظومة متكاملة تستغل علم النفس الاستهلاكي، وتسلط الضوء على هشاشة العلاقة بين المستهلكين والتسويق. ورغم أن البعض يحصل فعلاً على صفقات جيدة، إلا أن النسبة الأكبر تنجرف وراء وهم التخفيضات، لتكتشف لاحقاً أن ما اعتُبر “فرصة لا تُفوّت” لم يكن سوى درس جديد في فنون الإقناع التجاري.

التعليقات مغلقة.