جميل أن نحتفل بعيد الاستقلال… لكن الأجمل إلا نتهرّب من أسئلته ودروسه وعبره ؟

الانتفاضة // توفيق بوعشرين

كيف سقط المغرب في يد الاستعمار الفرنسي قبل اكثر من قرن ؟
ولماذا دخلت فرنسا بسهولة إلى الإمبراطورية الشريفة
التي كانت في أيامها الزاهية ممتدة شمالا إلى الأندلس
وجنوبا إلى ارض السودان
وشرقا إلى الجزائر وصولا إلى تونس …

وكيف تقلصت حتى ماعادت قادرة على مقاومة استعمار باريس ؟
ولماذا ما زلنا، بعد 70 سنة، لم نكمل معركة التحرير في الجنوب… وفي الشمال؟

الحلقة هذه تكشف بإيجاز ما لا يقوله الإعلام الرسمي…والمهرجانات الخطابية
وتعود إلى رسائل الأمراء قبل معركة إيسلي…
لتفهم لماذا انهزمنا، وكيف نهضنا،
وما الذي ينقصنا اليوم لنكون دولة قوية لا يبتلعها احد .
ومن قلب الأسئلة المزعجة التي لا يرغب الكثيرون في طرحها..

في مثل هذا اليوم من كل عام،
نعود إلى لحظةٍ لم تكن مجرّد صفحة في كتاب التاريخ،
بل كانت بابًا أُغلق على مآسي الاستعمار الذي امتد لمدة 44 سنة من 1912 رسميا إلى 1956
وبابًا فُتح على الاستقلال واستكمال الوحدة والبناء
وما زلنا نكافح لاستكماله في الصحراء أولًا
وفي الشمال ثانيًا،
وأقصد سبتة ومليلية والجزر الأخرى المحتلة في الشمال.

وهنا نفهم سر الفرحة العارمة التي عرفتها المملكة بعد التقدم الديبلوماسي
في ملف الصحراء في مجلس الامن
وهذا ما لم يفهمه اخواننا الجزائريون
( داخل كل مغربي هناك فخر بدولة وكيان كان إمبراطوريا يوما ما
فضيعه الأجداد لكن أبدا لم يضع الحنين اليه في نفوس الأحفاد )

18 نونبر ليس ذكرى للاحتفال فقط،
بل للعبرة…ايضا
ولطرح السؤال…او الاسئلة
ولمواجهة الذات.
إنه اليوم الذي استعاد فيه المغاربة قرارهم…
نعم بعودة محمد الخامس الذي ذاق بدوره مرارة الاحتلال

بعد ان كان خاضعا للمقيم العام يضع طابعه الشريف
على أي ورقة تأتيه من الإدارة الاستعمارية
حوصر قصر السلطان ،بسلاح فرسان الأطلس
يقودهم الباشا الكلاوي بتعليمات من الإقامة العامة

اخرج محمد الخامس من قصر اجداده
هو وعائلته وأبعد إلى المنفى حيث كان معزولا عن كل شيء
عقابا له على تمرده على الفرنسيين
وعلى قربه من الحركة الوطنية التي انتقلت من المطالبة بالإصلاحات
إلى المطالبة بالاستقلال

وخرج المغرب من نفق الحماية الطويل بفضل رجال ونساء
امنوا بفكرة الحرية وعقيدة الاستقلال
وقدرة الارادة ونهج العزيمة والصبر

وللأسف لم يكونوا كثرا بل أقلية
عاد محمد الخامس من المنفى
واستقبله المهدي بنبركة وركب معه في السيارة محمد أوفقير
وهنا بدأت واحدة من مشاكل المغرب

عاد محمد الخامس حاملاً نداءً بسيطًا وعميقًا:
إننا بحمد الله ونعمته خرجنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر.:

لماذا وقعت البلاد في مخالب الاستعمار الفرنسي
بعد ان كانت مهابة الجانب ولو من بعيد
لقد كان الانتصار الكبير للمغاربة على دولة أوروبية ( البرتغال ) في معركة واد المخازن سنة 1578 في عهد السعديين قد أكسبت المغاربة احتراما كبيرا ؟

لكن بعد قرنين لم ينجح المغاربة في صدّ جيوش فرنسا
كما فعلوا مع جيوش البرتغال …كان كل شيء قد تغير ؟
دخلت فرنسا بعد مسار طويل لنهش مقومات السيادة
من قبل جل القوى الاستعمارية بسهولة إلى البلاد
واستعمرتها باتفاقية سُمّيت معاهدة الحماية سنة 1912
في عهد السلطان مولاي حفيظ؟
مولاي حفيظ هذا الذي جاء إلى العرش
في ظروف ضعف وفتنة وانقسام وتخلّف وفقر وديون واستبداد .

جاء مولاي حفيظ إلى العرش بواحدة من الاجتهادات الفقهية المتقدمة في المجال السياسي،
وهي البيعة المشروطة.
وهي سابقة في المغرب
لم تعرف البلدان الإسلامية لها مثيلًا.

وشكّلت أول ما يمكن أن نسميه تعاقدًا سياسيًا
بين السلطان والعلماء… نخبة ذلك الزمان
لكن السلطان لم يلتزم بأي من الشروط التي وضعت أمامه من قبل العلماء…

سقط المغرب في مخالب الاستعمار
لأنه كان ضعيفًا،
وكان مقسّمًا،
ومتخلّفًا،
ولم يأخذ بأسباب التقدم والقوة والمناعة.

وعندما كانت أوروبا تستيقظ قبل خمسة قرون،
وتطلق تباشير عصر النهضة والإصلاح الديني،
والتقدم العلمي ..
واختراع الآلة والمحرك والطباعة والبرلمان،
والسفن والقطارات والصحافة والديمقراطية…

كنا نحن المغاربة غارقين في أتون الجهل،
والفقر،
والتسلّط،
والحروب الأهلية بين أبناء السلاطين على الملك،
وعلماء مشغولون بفقه العبادات
ومشغولون عن فقه المعاملات…
وقياد مشغولون بقمع العباد

ومخزن مفصول عن عصره وعن حقائق زمانه
عندما كان قطار النهضة الأوروبية ينطلق،
وما تبعه من تحوّلات علمية وصناعية وعسكرية وتجارية وحضارية
كنا نحن غارقين في الظلام

التعليقات مغلقة.