الانتفاضة
شهدت مراكش خلال الأيام الماضية واقعة لافتة، بعد أن أقدم مواطن على اعتلاء عمود كهربائي عالي الضغط واتخاذه معتصمًا مفتوحًا احتجاجًا على ما يعتبره ظلمًا جسيمًا لحقه. وقد أثار المشهد موجة واسعة من التفاعل، بينما فضّلت السلطات مراقبة الوضع بحذر شديد خشية أي تطورات غير محسوبة. ومع اتساع الاهتمام الشعبي، ظهر ارتباط الواقعة بقضية الموثقة المعتقلة، فعاد الملف إلى الواجهة مجددًا.
الرجل المحتج ظلّ يطالب من أعلى العمود بالإنصاف، مؤكدًا أن أسرته تعرضت لظلم حرَمها من “قبر حياة” اقتنته بمدخراتها، قبل أن تجد نفسها مهددة بالتشرد. وهو ما دفعه، وفق تعبيره، إلى اختيار هذا الشكل الحاد من الاحتجاج لإيصال صوته وإجبار الجهات المعنية على التحرك.
وتعود فصول القضية إلى 10 يونيو 2024، حين تقدمت مواطنة بدعوى قضائية أمام المحكمة الابتدائية بمراكش، تتهم فيها الموثقة، الموجودة رهن الاعتقال بالسجن المحلي الأوداية، بتحرير عقد بيع لعقار يحمل الرسم العقاري عدد 221271/04 بحي المسيرة 2، دون أن تتوصل هي بثمن البيع. وأوضحت المشتكية أن العقد بقي دون توقيع الموثقة، مما يجعله مجرد عقد عرفي فاقد للطابع الرسمي، وقد أرفقت مقالها بشهادة الملكية وصورة العقد.
وبتاريخ 9 دجنبر 2024، قضت المحكمة الابتدائية ببطلان العقد العرفي المحرر من طرف الموثقة ، وإرجاع الوضع إلى ما كان عليه، خاصة بعد أن قام المشتري باحتلال العقار عقب علمه باعتقالها، مع تقديمه استئنافًا ضد الحكم.
يتضح من الوثائق أن المواطن معتصم العمود الكهربائي كان قد أودع لدى الموثقة ثمن شراء العقار ²وواجبات التحفيظ والتسجيل، دون أن تقوم هذه الأخيرة بواجباتها المهنية، مكتفية بالاستيلاء على الأموال، أسوة بملفات أخرى فتحت بشأنها أبحاث قضائية.
وإذا كانت الموثقة مسؤولة عما وقع ، فما ذنب مالكة الشقة التي سكنها الرجل دون أن تتوصل بثمن البيع ، أو تسمح له باستغلال السكن.
وخلاصة القضية أن الحكم قضى ببطلان عقد البيع العرفي، ولو كان المشتري فعلا يتوفر على عقد رسمي لتمكن من إجراءات التحفيظ والتسجيل، خصوصًا أن العقار محفظ وباسم صاحبته التي لم تتوصل بثمن البيع. وبذلك يُعد وجوده بالعقار احتلالًا غير قانوني يلزمه بالإفراغ حسب القرار القاضي بطرد محتل بدون سند، موضوع مسطرة التنفيذ . ويبقى السؤال: هل يصبح اعتلاء الأعمدة وتهديد النفس وسيلة للاعتراض على الأحكام القضائية؟ وهل يُعقل أن تُهدر حقوق الناس لمجرد الضغط والابتزاز؟ فصاحبة الشقة التي احتُلّ مسكنها منذ 2023 لم تلجأ لأساليب مشابهة، مما يبرز خطورة هذا السلوك ومساسه بسيادة القانون.

التعليقات مغلقة.