بنسليمان: الاستفادات العقارية بإقليم بين إعلانات المحاسبة وواقع الإجراءات القانونية

الانتفاضة — توفيق مباشر 
أثار التصريح الأخير لوزير الداخلية حول ضرورة تفعيل المحاسبة الصارمة تجاه أي تجاوز أو استفادة غير قانونية من الممتلكات العامة، حتى لو كانت تتعلق بمتر واحد، موجة من التساؤلات حول مدى تطبيق هذه المبادئ على أرض الواقع، خاصة في مناطق تزخر بالثروات الطبيعية والعقارية مثل إقليم بنسليمان. لطالما اعتُبر هذا الإقليم بمثابة “دجاجة تبيض ذهباً” للجهات ذات النفوذ، مستغلة خيرات المقالع والامتدادات الشاسعة لأملاك الدولة.

وعندما تتحدث السلطات العليا عن تطبيق القانون، يصبح لزامًا علينا مساءلة الإجراءات المتبعة بشأن عشرات الهكتارات التي استفادت منها أسماء نافذة، والتأكد مما إذا كانت جميع هذه الاستفادات قد خضعت للمساطر القانونية والإدارية المعمول بها.

إن الإشارة الصريحة إلى حالات استفادة ضخمة من أراضي الدولة في محيط منطقة الكارة، بمساحات تقارب 900 هكتار لكل استفادة، تضعنا أمام مفترق طرق بين الخطاب الرسمي والتطبيق الفعلي للشفافية والحكامة.
يمثل إقليم بنسليمان نموذجًا مصغرًا للتحديات التي تواجه الإدارة الترابية في ضبط الاستغلال الأمثل للموارد العامة. فإلى جانب الثروة المعدنية المتمثلة في المقالع التي تشكل مصدر دخل هام، تكمن القيمة الحقيقية في الأراضي المفتوحة التي تقع تحت طائلة أملاك الدولة. تاريخيًا، كانت هذه الأراضي عرضة للتصرفات الإدارية التي قد لا تخضع دائماً للمقاربات التنافسية أو المساطر الشفافة المخصصة للتفويت أو الكراء.

عندما يتم الحديث عن استفادات بمئات الهكتارات، فإن حجم المخاطرة المالية والاجتماعية يكون كبيراً، ويتطلب تدقيقاً لا يقبل المجاملات. إن المبدأ الأساسي للحفاظ على المال العام يقتضي أن تخضع أي عملية حيازة أو استغلال لهذه الأراضي لآليات قانونية صارمة، تشمل دراسات الجدوى، التقييم الموضوعي، والإعلان العمومي لضمان تكافؤ الفرص.
الادعاء بوجود استفادات ضخمة بالقرب من الكارة يستدعي بحثاً معمقاً في السجلات العقارية والإدارية. فإذا كانت هذه الأراضي قد تم تخصيصها أو تفويتها لجهات معينة، فهل تم ذلك بناءً على ظهائر ملكية خاصة، أو قرارات للمجلس الإقليمي، أو بموجب قوانين استثمارية محددة؟ الإشكالية تكمن في “الاستفادة” نفسها؛ فإذا كانت غير قانونية، فهذا يعني انتهاكاً صارخاً للقانون، وإذا كانت قانونية ظاهرياً، فمن الضروري التأكد من خضوعها لجميع الشروط الإجرائية التي تمنع تحول الامتياز إلى احتكار غير مشروع للمنفعة العامة. في الدول التي تتبنى مبادئ دولة الحق والقانون، يجب أن تكون مساطر تفويت أو تخصيص الأراضي العامة مرجعاً لأعلى درجات النزاهة، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بمساحات شاسعة يمكن أن تؤثر على الأمن الغذائي أو التنمية المجالية المستقبلية للإقليم.
التحدي الذي يواجه السلطات، بناءً على ما أشار إليه وزير الداخلية، هو كيفية التعامل مع الإرث المتراكم من مثل هذه الصفقات أو التخصيصات. المحاسبة على متر واحد هي رسالة قوية، لكن تطبيقها على “ثلاث استفادات” بمساحة إجمالية تقارب 2700 هكتار في منطقة استراتيجية يتطلب جهازاً رقابياً مستقلاً وفعالاً.

يتطلب هذا الأمر مراجعة شاملة للعقود المبرمة، والتحقق من مدى التزام المستفيدين بالشروط التي مُنحت لهم، سواء تعلق الأمر بقطاع الفلاحة، أو الصناعة، أو حتى المشاريع ذات المنفعة العامة التي قد تتبنى صفة “استثمار استراتيجي” للتحايل على القواعد العادية. وفي حال ثبوت أن هذه الاستفادات لم تلتزم بالمسطرة القانونية، فإن السلطات مطالبة باتخاذ إجراءات حازمة تشمل سحب الامتيازات واسترداد الحقوق، وتحميل المسؤولية للمسؤولين الإداريين الذين سهلوا هذه الإجراءات.
إن قضية الاستفادة من أملاك الدولة لا تقتصر فقط على الجانب القانوني والإداري، بل تمتد لتشمل البعد الاجتماعي والسياسي. عندما يرى المواطن العادي أن مساحات شاسعة من الثروة الوطنية يتم توزيعها بطرق غير شفافة على فئة محدودة، فإن الثقة في المؤسسات تتآكل.

هذا الشعور بالظلم الاقتصادي يغذي خطاب التشكيك في عدالة التوزيع وفعالية سيادة القانون. لذلك، فإن أي إجراء لإصلاح هذا الملف في بنسليمان، من خلال إخضاع جميع الاستفادات السابقة لتدقيق شامل ومستقل، سيكون له أثر إيجابي كبير على تعزيز مصداقية الإدارة العمومية ورغبتها الحقيقية في مكافحة الريع.
يمثل حديث وزير الداخلية عن المحاسبة دعوة صريحة لفتح ملفات الاستفادة العقارية الكبرى في إقليم بنسليمان، وخاصة تلك المتعلقة بآلاف الهكتارات بالقرب من الكارة. إن الإعلان عن الإرادة السياسية لا يكفي؛ يجب أن تُترجم هذه الإرادة إلى إجراءات ملموسة للتأكد من أن كل هكتار تم التنازل عنه أو استغلاله قد خضع بشكل كامل ودقيق للمساطر القانونية المعمول بها. فإما أن تكون هذه الاستفادات قد تمت وفق القانون، وفي هذه الحالة يجب إظهار الشفافية الكاملة حول آليات منحها، وإما أنها تمت بشكل مخالف للقانون، وفي هذه الحالة يجب تطبيق مبدأ المحاسبة الذي نادى به الوزير دون استثناء، لضمان سيادة القانون وتحقيق العدالة التوزيعية في استغلال خيرات الوطن.
يثير موضوع استغلال أملاك الدولة في مختلف مناطق المملكة المغربية، وبالأخص في إقليم بنسليمان، نقاشات واسعة تتجاوز مجرد الإدارة العقارية لتلامس قضايا الحكامة والعدالة الاجتماعية.

إن التساؤل الذي يطرح نفسه بإلحاح حول كيفية استفادة فئات محددة من مساحات شاسعة من هذه الأملاك، يمثل نقطة ارتكاز لتقييم مدى التزام السلطات بمبادئ الشفافية وتكافؤ الفرص في توزيع خيرات وموارد المجال العام. هذه الإشكاليات لا تقتصر على حالات فردية معزولة، بل تمتد لتشمل مناطق متعددة داخل تراب الإقليم، مما يستدعي تدقيقاً معمقاً في الإجراءات المتبعة والنتائج المترتبة عليها.
إن المناطق المذكورة، كأجزاء من المنصورية وضواحي المطار، وجماعات الزيايدة وعين تيزغة والردادنة أولاد مالك، تشهد على وجود أنماط من الاستفادة العقارية التي تبدو غير واضحة المعالم للرأي العام. فعندما يتم الحديث عن “ثلاثي محظوظ” يستفيد من مساحات واسعة، فإن ذلك يضع آليات منح الامتيازات أو التخصيصات تحت المجهر.

إن أملاك الدولة، سواء كانت أراضي فلاحية، أو عقارات حضرية، أو أراضي جماعية سابقة، هي رصيد وطني يجب أن يخدم الصالح العام وفقاً للقوانين المنظمة والضوابط المعمول بها، سواء كانت تتعلق بالتعمير أو الاستثمار أو التنمية الاجتماعية.

إن التساؤلات المثارة هنا لا تتعلق بالضرورة بوجود الاستفادة بحد ذاتها، فالدولة تمنح تراخيص وإيجارات للاستثمار، بل تتعلق بـ “كيفية” حصول المستفيدين على هذه الامتيازات، وعبر أي مساطر قانونية وإدارية تم تفعيلها. هل كانت هذه الاستفادات نتيجة منافسة شفافة؟ وهل كانت الشروط المطبقة عادلة وتناسب القيمة الحقيقية للأرض؟
أحد الأمثلة الأكثر إثارة للجدل، والتي تتطلب فتح تحقيق فوري وشامل، هو ما يتعلق بالمحجز البلدي الواقع في مدينة بنسليمان، بالقرب من مقبرة سيدي امحمد بنسليمان.

إن وجود محجز بلدي هو ضرورة تنظيمية لتدبير المخالفات في المجال العام، لكن موقعه على “أرض مثيرة للجدل” يثير علامات استفهام عميقة حول شرعية تخصيص هذا الموقع. السؤال الجوهري هنا هو: كيف تم “السطو عليها”؟ وما هي المسطرة التي تم إتباعها لإحداث هذا المحجز في هذا الفضاء تحديداً؟ مصطلح “السطو” يوحي بوجود تجاوزات واضحة للقانون أو استغلال لثغرات إجرائية، أو ربما تلاعب في الإجراءات الإدارية المتعلقة بملكية الأراضي وتصنيفها. فإقامة منشأة عمومية، حتى لو كانت لخدمة المصلحة العامة، لا يجب أن تتم على حساب حقوق أو ملكيات أخرى دون تعويض عادل ومسطرة قانونية سليمة وموثقة.
إن هذه الحالات المتفرقة في إقليم بنسليمان تعكس ظاهرة أوسع تتعلق بإشكالية تدبير المجال العام في العديد من الجماعات الترابية. يتطلب الأمر تفعيل آليات الرقابة الإدارية والقضائية بشكل أكثر صرامة وفعالية.

فعندما يطرح المواطنون تساؤلات مشروعة حول عمليات نقل ملكية أو تخصيص أراضٍ تابعة للدولة أو للجماعات، يصبح لزاماً على الجهات الوصية تقديم إجابات شافية ومستندة إلى وثائق رسمية تثبت سلامة الإجراءات. غياب الشفافية يغذي الشكوك حول وجود محاباة أو فساد إداري، مما يقوض الثقة بين المواطن والإدارة.
لفهم هذه الإشكاليات، يجب العودة إلى الإطار القانوني المنظم لأملاك الدولة الخاصة والعامة في المغرب. قوانين مثل مدونة الأملاك المخزنية والقوانين المتعلقة بالجماعات الترابية تحدد بدقة شروط التفويت، التخصيص، أو الإذن بالاستغلال.

أي خروج عن هذه المساطر، لا سيما في مناطق استراتيجية كضواحي المطارات أو الأراضي ذات القيمة العقارية العالية، يعتبر خرقاً لمبدأ المساواة أمام القانون. التحقيق في مسألة المحجز البلدي تحديداً يجب أن يكشف عن التسلسل الزمني لقرارات التخصيص، والوثائق التي تم الاستناد إليها لإثبات ملكية الأرض أو إمكانية استغلالها لهذا الغرض، خاصة وأن الإشارة إلى “مقبرة سيدي امحمد بنسليمان” تزيد من حساسية الموقع من الناحية التاريخية والاجتماعية.
علاوة على ذلك، فإن الاستفادة غير المبررة من أملاك الدولة تؤدي إلى آثار سلبية متعددة. أولاً، تحرم هذه الممارسات الجماعات المحلية من عائدات كان يمكن استثمارها في مشاريع تنموية محلية تخدم الساكنة بشكل مباشر.

ثانياً، تؤدي إلى تشويه المشهد العمراني والتنموي في الإقليم، حيث قد تتم مشاريع استثمارية أو تنظيمية بناءً على علاقات خاصة بدلاً من الاحتياجات التنموية الحقيقية. ثالثاً، تساهم في ترسيخ الشعور بالظلم الاجتماعي، خاصة بين الشباب والمستثمرين الصغار الذين يرون أن فرصهم محدودة بسبب احتكار أو استغلال غير مشروع للموارد العمومية.
لذا، فإن الدعوة لفتح تحقيق لا تهدف إلى إيقاف عمليات التنمية أو الاستثمار، بل إلى ضمان أن تكون هذه العمليات قائمة على أسس قانونية وأخلاقية سليمة. يجب مساءلة المسؤولين الذين وافقوا على هذه التخصيصات، وتحديد المسؤوليات في حال ثبوت أي تجاوزات أو تقصير في تتبع مسار هذه الأملاك.

إن استعادة ثقة سكان بنسليمان في إدارة شؤونهم المحلية يمر حتماً عبر تطبيق مبدأ المساءلة الصارم، وإعادة النظر في كافة الصفقات العقارية التي شابها الغموض في المناطق المذكورة. شفافية تدبير أملاك الدولة هي مؤشر أساسي على جودة الحكامة المحلية وقوة المؤسسات الرقابية في الإقليم.

إن هذا التساؤل ليس مجرد استفسار عابر، بل هو مطلب مجتمعي لإعادة تأكيد أن الملكية العامة يجب أن تبقى فوق الشبهات وتخضع لرقابة الجميع.

التعليقات مغلقة.