الإنتفاضة
محمد السعيد مازغ. وقف أمام المرآة، كان وجهه شاحبًا، وقواه منهارة، شعر بالوهن ومرارة الزمن الذي سرق منه أزهى الأيام، ولقّنه درسًا بليغًا، وأثار في نفسه هواجسَ وتأملاتٍ أفاضت كأسه، وجعلته يُحاسب الذات ، ويتحدث إليها وكأنه على خشبة المسرح:
من اليوم ، لن أقول إنّ الانتخابات مزوّرة، ولن أحرّم شراء الأصوات، فالجميع وطنيٌّ حدَّ النخاع، والكلُّ في خدمة الوطن، لا فساد بعد اليوم ولا مفسدين، والشمس لا تُغَطّى بِغِرْبال …
لن أشتكي من برلمانيٍّ اختفى عن الأنظار ، ولن أشكّ في سريرة عضو مجلسٍ جماعي تبدل حاله من الفقر إلى الثراء ، ولا أنعي حكومة، فالضمائر صافية كالماء الزلال، والقرارات تُتخذ بنية الإصلاح، والخطأ… خطأ إنساني لا ريب في ذلك .
من اليوم، سأروّض قلمي على الابتسامة، على الطاعة والاستقامة، على أن يكون نيةً صادقةً، وصفحةً بيضاء، لا تسمح للقلق ولا للتفكير السلبي بالتسلل إلى نفسي.
وسأعوّد عيني على الأزهار المتفتّحة، وزقزقة الطيور، وصفاء السماء. وإن ضللت الطريق، سأصوم عن الكلام، وأضع الأقفال على قلمي، وأحكم عليه بالإعدام… حتى يستريح وأستريح. ومن اليوم أيضًا، لن أحزم حقائبي، ولن أرتدي بدلة عُرس، فقد طلّقتُ السياسة طلاقًا ثلاثًا، ووضعت ربطة عنق حول رأسي.
ولن ألوم ناصحًا إنْ أمرنا بعدم تبذير المال، وسماع الكمان، وشرب الدخان، ومعاقرة الصهباء والمدام.
وسأقتنع، عن طيب خاطر، بأنّ بعد العصر راحة ونشوة… وبعد العسر يُسْرًا. وسأشتري درّاجةً تسير سير السلحفاة، لا تحتاج إلى بنزينٍ ولا كهرباء، فكلاهما أثقل كاهل الناس وأرهق الجيوب.
ولن أختار درّاجةً تسير بسرعتين، لأنّ التفاوت في السرعة يُعمّق الفوارق ويكرّس التخلّف.
سأكتفي بحذاءٍ رياضيٍّ، وأتمرّن على لعبةٍ القفز على الحواجز، فهي تُدرّ المال الوفير وتمنح أصحابها شهرةً عالية،
ففي زمنٍ كهذا… صار الركض وراء السراب، رياضةً وطنية.
التعليقات مغلقة.