الانتفاضة
يعيش الإنسان، منذ أن بدأ يتأمل ذاته في مرآة الفكر، تلك المفارقة الأبدية بين ما ينبغي أن يكون وما هو كائن، بين نقاء الفكرة ودهاء الممارسة، بين الوفاء للمبدأ والخضوع للمصلحة الفردية الانتهازية. وإذا كان هذا التوتر قد شكل محورا دائما للفكر الأخلاقي والسياسي منذ أفلاطون إلى نيتشه، فإنه يكتسب اليوم حدة جديدة في زمن التحلل القيمي والمفاهيمي، حيث تستبدل المبادئ بالشعارات، والصدق بالتبرير، والثبات بالحربائية.
لقد كان سقراط أول من جسد الموقف الوجودي من الحقيقة، حين اختار الموت بدل أن يتراجع عن قناعته “سلام لك ياسقراط”. فبالنسبة إليه، الصدق ليس خيارا ظرفيا بل شكل من أشكال العيش ومنهج حياة. ومن بعده، رأى كانط أن الأخلاق لا تقبل التفاوض، لأن الفعل الصادق لا يقاس بنتائجه بل بمبدئه، وأن الإنسان لا يكون حرا إلا حين يطيع القانون الذي يشرعه عقله الأخلاقي. في المقابل، كشف ماكيافيللي الوجه الآخر للعمل السياسي، حين وصفه كفن للبقاء لا كأخلاق للفضيلة، لكنه، بخلاف ما يُشاع، لم يمدح الخيانة بقدر ما عرى هشاشة القيم حين تنفصل عن القوة.
في ضوء هذه الجدلية بين الأخلاق والسياسة، تنشأ المفارقة الكبرى في واقعنا السياسي والنقابي المعاصر: كيف يمكن للمناضل أن يظل وفيا للمبدأ في عالم تكافأ فيه الحربائية؟ وكيف يمكن للصدق أن يصمد أمام إغراءات السلطة، ومكر التحالفات، ودهاء “فن الممكن”؟
☆ كثير من السياسيين والنقابيين المعاصرين وجدوا الإجابة السهلة في جملة سحرية: “في السياسة يمكن أن تتحالف مع الشيطان”. لكن هذه الجملة، حين نتأملها فلسفيا، لا تعبّر عن “واقعية” بقدر ما تكشف عن استقالة أخلاقية. فالشيطان هنا ليس سوى استعارة ميتافيزيقية نعلّق عليها خطايانا، قناع رمزي للهروب من مواجهة الذات، ووسيلة لإعفاء النفس من المسؤولية. إنها صيغة أنيقة للقول: “لم أكن أنا، بل الضرورة من أجبرتني”. وهكذا يتحول الشيطان إلى شماعة للضمير، ويختزل المبدأ إلى تفصيل تجميلي في خطاب الانتهازية.
لقد نبه نيتشه إلى هذا النمط من السلوك حين تحدث عن “أخلاق العبيد”، تلك الأخلاق التي تبرر الخضوع وتجمل الانحناء باسم القدر أو المصلحة. فالسياسي الحربائي، الذي يبدل موقعه كلما تغير اتجاه الريح، ليس واقعيا بل جبانا وجوديا؛ لأنه يخاف مواجهة ذاته. يعيش تحت وطأة الحاجة إلى التبرير الدائم، إلى صياغة خطاب يجعل من الخيانة دهاء ومن الانتهازية حكمة. لكن ما لا يدركه هو أن هذا التبرير المستمر يدمر جوهره الأخلاقي ببطء، كما يذيب الصدأ جوهر الحديد.
أما الذين يختبئون وراء القوى الاجتماعية التقليدية في بعديها الفكريين التقليداوي والتقليداني (العائلة، القبيلة، الطائفة، السلطة الباترياركية “با” أو الماترياركية “مي”) فهم يعيدون إنتاج السؤال القديم الذي شغل المتكلمين: هل الإنسان مخير أم مسير؟ إنهم يتهربون من الحرية تحت غطاء الحتمية، وكأنهم يقولون: لسنا مسؤولين، بل مجبرون. غير أن سارتر، في مقابل هذا المنطق، سيؤكد أن الإنسان “محكوم بالحرية”، على الأقل في سلوكاته ومواقفه، أي أنه مسؤول حتى عن عدم اختياره، وأن كل محاولة للهروب من المسؤولية هي خيانة للذات قبل أن تكون خيانة للآخرين.
في المقابل، يبرز نموذج آخر للمناضل الذي يظل صادقا رغم التعثرات وحتى الهزائم (الهزيمة المرحلية درس للقوة والفرز)، ثابتا رغم العواصف. إنه ما يسميه كامو بـ “الإنسان المتمرد”، الذي يرفض أن يبرر الشر بالضرورة، أو أن يتنازل عن الحقيقة باسم الواقعية. فالثبات، في تصوره، ليس تصلبا بل انحيازا إلى المعنى ضد العبث، إلى الكرامة ضد الانحناء. المبدئي ليس من يرفض التغيير، بل من يرفض أن يغير جوهره الأخلاقي باسم التكتيك أو منصب ما ولو على حساب ضميره فما بالك بمن كان يعتبرهم أصدقاء أو رفاقا.
وهنا تكمن المفارقة بين التكتيكي والاستراتيجي، بين من يبدل المواقف وفق الظرف، ومن يبني موقفه على رؤية متجذرة في قناعة أخلاقية. إن تبديل الأصدقاء والخصوم قد يكون تكتيكا مشروعا حين يخدم هدفا مبدئيا، لكنه يتحول إلى نفاق حين يمارس بدافع المصلحة الذاتية. فالسياسة التي تفقد بعدها الأخلاقي تتحول إلى مسرح للأقنعة، والنقابة التي تفرغ نضالها من المعنى الأخلاقي تتحول إلى طقوس بيروقراطية بلا روح.
من هنا، يمكن القول إن الصدق السياسي والنضالي ليس قيمة مثالية بل شرطا وجوديا. فالمبدأ هو ما يمنح الفعل السياسي-النضالي معناه الإنساني، وما يربط الفاعل بتاريخ ومسؤولية. أما الحربائية، فمهما نجحت مرحليا، فإنها تفضح نفسها مع الزمن، لأن الذاكرة الأخلاقية للأفراد والجماعات لا تمحى بسهولة. وكما قالت حنا أرندت، “لا يمكن للسياسة أن تكون نبيلة إلا حين تظل مرتبطة بالحقيقة”.
إن الثبات على المبدأ في زمن الخداع ليس بطلا أسطوريا، بل فعل مقاومة هادئة. فالذين يظلون ثابتين “كشجر الزيتون»، متجذرين في أرضهم رغم العواصف، يدركون أن الكرامة ليست في الانتصار بل في عدم الخيانة، وأن الخسارة بشرف أسمى من النصر بالغدر. إنهم يشبهون ما وصفه كامو بالإنسان الذي يحمل صخرته إلى القمة كل يوم، لا لأنه ينتظر الخلاص، بل لأنه يرفض الاستسلام للعبث. فليست المفارقة بين من ينتصر ومن يهزم، بل بين من يظل وجهه واحدا ومن يتقن تبديل الأقنعة. فالثبات على المبدأ ليس موقفا أخلاقيا فقط، بل هو فعل فلسفي يربط الإنسان بإنسانيته. ومن يختار الصدق في زمن التلون، يختار أن يكون حرا، مهما كلفه الثمن.
☆ وللذين يزايدون على العالمين بالتدين، فإن النموذج الأسمى لهذا الثبات الصادق هو ما جسده رسولنا محمد ﷺ، الذي لم يكن صدقه مجرد فضيلة أخلاقية عابرة، بل منهجا وجوديا في القول والفعل. فقد ظل وفيّا لرسالته رغم الاضطهاد والعزلة، وأمينا لمبدئه في وجه الإغراء والقوة. لم يكن إيمانه بالله منفصلا عن سلوكه الإنساني، بل كان الصدق في منطقه امتدادا للصدق في معاملاته، مع الأصحاب، ومع الأخبار، ومع المال. لذلك، فإن الاقتداء به لا يكون فقط في العبادات والطقوس، بل في السلوك والمعاملة، لأن جوهر الدين ليس في أداء الشعائر بقدر ما هو في الثبات الأخلاقي أمام المصلحة. فالإسلام في حقيقته مدرسة للصدق الإنساني قبل أن يكون منظومة للعبادات والمظاهر الطقوسية.
☆ إننا باقون كجذور الزيتون …
لأننا نؤمن أن الفعل الصادق هو وحده الذي يخلد صاحبه، وأن الخيانة، مهما تجملت بخطاب الواقعية، تظل سقوطا أخلاقيا لا يرقعه الزمن. في النهاية، لا شيء يعادل طمأنينة المرء حين ينظر إلى ذاته في المرآة، دون أن يرى وجها مستعارا.
شكرا يا أكتوبر …..لقد نبتت جذور الزيتون
التعليقات مغلقة.