الجمعيات والمهرجانات في الناظور… كثرة في الشكل وقلّة في الأثر

الانتفاضة // بقلم: ذ.المختاري أيمن

كإبنٍ صادقٍ للميدان الجمعوي، وواحدٍ من الذين عايشوا تفاصيله عن قرب، لا يمكنني إلا أن أعبّر عن قلقي من الواقع الذي يعيشه العمل الجمعوي بمدينة الناظور.
فرغم صِغر المدينة وعدد سكانها، إلا أنها أصبحت، في تقديري، من أكثر المدن المغربية كثافةً من حيث عدد الجمعيات، لكنّ هذه الكثرة لا تعكس بالضرورة غنى في المبادرات أو جودة في المشاريع.

لقد تحوّل تأسيس الجمعيات، للأسف، من فعلٍ تطوعي نابعٍ من الإيمان بخدمة الناس إلى إجراء شكليٍّ يُراد به الوجاهة الاجتماعية أو الاستفادة من الدعم العمومي.
وباتت بعض الجمعيات تبحث عن الظهور لا عن الأثر، وعن العلاقات لا عن العمل، حتى غابت الرسالة الأصلية التي وُجد من أجلها الفعل الجمعوي.

وما زاد المشهد تشوّهًا هو كثرة المهرجانات والتكريمات التي تُنظم بلا معنى ولا إضافة.
فأصبحت بعض المناسبات تُقام فقط من أجل الصور والتغطية الإعلامية، ويُكرَّم فيها أشخاصٌ لا علاقة لهم بالإبداع أو بالعطاء.
تحوّل التكريم إلى عادةٍ شكلية تُفرغ المفهوم من جوهره، وكأن الهدف هو “الحدث” لا “المضمون”.

أما المشاهد التي نراها على طاولات المسؤولين، من اجتماعاتٍ ودراساتٍ حول ميزانيات الجمعيات ومشاريعها الورقية، فلم تعد تُثير الدهشة.
فهي مشاهد تكرّرت حتى أصبحت عادية، بل انعكاسًا طبيعيًا لمنبع الخلل نفسه: توجهات الجمعيات التي فقدت البوصلة، وتحوّلت من خدمة الصالح العام إلى خدمة مصالحها الخاصة.

ومع ذلك، تبقى هناك قلة قليلة من الجمعيات الجادة التي تعمل بصمت، تمتلك رؤية واضحة وتوجّهًا مدنيًا نقيًا، وتشتغل في الميدان بدل المنصات، وتؤمن بأن التغيير يُصنع في الواقع لا في الشعارات.

فالعمل الجمعوي الحقيقي لا يُقاس بعدد الصور المنشورة على وسائل التواصل الاجتماعي، ولا بعدد التصفيقات في المهرجانات، بل يُقاس في الشارع، وفي الميدان، وفي أثره على الإنسان.
المعنى الحقيقي يُولد من الفعل لا من الشكل، ومن الإخلاص لا من الادعاء.

إنّ الناظور اليوم لا تحتاج إلى مزيدٍ من الجمعيات أو المهرجانات، بل إلى إعادة ترتيب القيم داخل المشهد المدني، وإلى تقييمٍ صادق يُعيد الاعتبار للفعل النبيل الذي وُجد من أجله العمل الجمعوي.
فالقيمة لا تكون في الكثرة، بل في الصدق، ولا في الواجهة، بل في الأثر.

التعليقات مغلقة.