الانتفاضة/ ابراهيم أكرام
خلال الأسبوعين الأخيرين، برزت أربعة تطورات جوهرية تحمل دلالات قوية على دخول ملف الصحراء المغربية، والعلاقات المغربية الجزائرية، مرحلة جديدة من التحول السياسي والدبلوماسي، تترجم ما تنبأت به قراءات سابقة بشأن اقتراب التسوية النهائية للنزاع واستعادة الدفء للعلاقات بين البلدين الجارين.
تحول في الموقف الروسي
أول هذه التطورات تمثل في التحول اللافت في الموقف الروسي، حيث أعلن وزير الخارجية سيرجي لافروف استعداد بلاده لدعم مقترح الحكم الذاتي الذي تقدم به المغرب منذ سنة 2007، واعتباره أحد أشكال ممارسة “حق تقرير المصير”، شريطة أن يتم التوافق عليه برعاية أممية. هذا الموقف، الذي جاء قبل أيام من انعقاد جلسة مجلس الأمن الخاصة بالصحراء، يعكس انزياح موسكو عن الحياد التقليدي نحو دعم مقاربة الحل الواقعي، وهو ما يشكل اختراقاً دبلوماسياً جديداً للمغرب على الساحة الدولية.
الوساطة الأمريكية وتوقع اتفاق سلام
ثاني التطورات، تصريح المبعوث الأمريكي للشرق الأوسط وشمال إفريقيا ستيف ويتكوف، الذي كشف عن وساطة تقودها واشنطن بين الرباط والجزائر، ملوّحاً بإمكانية التوصل إلى اتفاق سلام شامل بين البلدين خلال ستين يوماً. ويأتي هذا التصريح في سياق رغبة الإدارة الأمريكية في إعادة ترتيب موازين النفوذ بالمنطقة، وجعل شمال إفريقيا محور استقرار استراتيجي يخدم مصالحها الأمنية والاقتصادية في إفريقيا والساحل.
تغير في خطاب البوليساريو
أما التطور الثالث، فصدر عن جبهة البوليساريو، التي أعلنت في بلاغ رسمي تخليها عن خيار “الاستفتاء”، واستعدادها لبحث “مقترح موسع لتقرير المصير”، يقوم على تقاسم كلفة السلام مع المغرب. هذا التحول في لغة الخطاب يشير ضمناً إلى انفتاح الجبهة على مقترح الحكم الذاتي كإطار واقعي للنقاش السياسي حول توزيع السلطة والثروة بين المركز وإقليم الحكم الذاتي.
لغة جديدة في خطاب تبون
أما التطور الرابع، فجاء من الجزائر، حيث بدا من خطاب الرئيس عبد المجيد تبون أمام قادة الجيش، وجود مراجعة لافتة في لهجة الخطاب الرسمي تجاه المغرب، بعد أن تحدث عن وساطة من “الأشقاء” لفتح الحدود، وأكد أن “قضية الصحراء تُحل بين المغرب والصحراويين”، مبرزاً أن الجزائر “لن تكون أكثر صحراوية من الصحراويين”. وهو تحول يعكس تخفيف حدة الخطاب، وغياب لغة العداء والمشروطية التي كانت تطبع الموقف الجزائري في السنوات الأخيرة.
مساران متوازيان نحو الحل
تكشف هذه التطورات عن وجود مسارين متوازيين يسيران بخط متقاطع نحو حل الأزمة:
* المسار الأممي، الذي يتجه إلى جعل مقترح الحكم الذاتي الإطار الواقعي والوحيد للتفاوض بين المغرب وجبهة البوليساريو.
* المسار الدبلوماسي والسياسي الموازي، الذي تقوده واشنطن، مدعومة بوساطات سعودية، لإرساء أسس تطبيع العلاقات بين الرباط والجزائر، وتهيئة مناخ إقليمي جديد يسوده التعاون بدل التوتر.
إعادة تموضع استراتيجي دولي
هذه الحركية الدبلوماسية لا يمكن فصلها عن التحول الاستراتيجي في رؤية القوى الكبرى، وخاصة الولايات المتحدة، التي تعيد تمركزها في إفريقيا، وتدرك أن استمرار التوتر المغربي الجزائري يعطل فرص التنمية والاستثمار، ويمنح موسكو وبكين هامشاً واسعاً للتغلغل في القارة. لذلك، فإن تحقيق مصالحة مغاربية سيتيح للغرب استعادة زمام المبادرة، وتعزيز استقراره الأمني والاقتصادي في منطقة الساحل.
خاتمة
كل المؤشرات اليوم توحي بأن شهر أكتوبر قد يشهد محطة حاسمة في مسار النزاع، بصدور قرار جديد عن مجلس الأمن يكرّس مقترح الحكم الذاتي كإطار وحيد للحل، تزامناً مع بروز مؤشرات على انفراج سياسي بين الرباط والجزائر، بما يجعل من “مشكلة الصحراء” ملفا تابعا لتسوية أشمل، عنوانها “استعادة الثقة وبناء مستقبل مغاربي مشترك”.
التعليقات مغلقة.