القناع والوجه والمرآة.

الإنتفاضة

بقلم محمد السعيد مازغ                                                              القناع والوجه والمرآة.نظر إليها من خلف نظارته السوداء، بهدوء.
كانت تُعدّل ثيابها بدقة، تنظر إلى وجهها في المرآة، تُعيد ترتيب شعرها، تضع الطلاء على خديها… ثم تمسح شفتيها بحمرةٍ ناعمة.
ابتسمت ابتسامةً مدروسة، ثم مالت برأسها لتتأكد من انعكاسها من زاويةٍ أخرى.
لم يقل شيئًا، لكن شيئًا في داخله ارتجف.
هل كانت الفتيات في زمنه يحتجن كل هذا الماكياج ليبدين جميلات، خاصةً وهن يقصدن المدرسة؟
كان الجمال آنذاك ينبع من ضوء العين، وصفاء الوجه، ودفء الكلام، لا من ألوانٍ تُخفي الملامح.

صرف نظره عن المرآة وخفض رأسه.
تساءل في صمت:
هل أصبحنا نخشَى وجوهنا الحقيقية؟
هل نتزيّن بالكلمات كما نتزيّن بالألوان، ونرسم ابتساماتٍ مصطنعة نخفي وراءها خيباتنا؟
هل أصبحت المصالح الشخصية تتحكم في علاقاتنا؟ نقترب ممن ينفعنا، ونبتعد عمن يحبّنا حقًا؟
وكم نعطي للآباء والأمهات من وقتٍ في خضم هذه الزحمة؟

عاد للنظر إليها، فلم يرَ فتاةً تسعى للعلم، بل مرآةً تعكس وجهَ مجتمعٍ كامل.
مجتمعٌ يتزيّن ليُخفي ألمه، يبتسم وهو يعاني، يمدّ يده للسلام، وقلبه قنبلةٌ على وشك الانفجار.

خلع نظارته السوداء، اقترب من المرآة، وهمس بصوتٍ خافت:
من منّا يجرؤ اليوم على أن يرى وجهه الحقيقي دون قناع؟
ثم ابتسم لنفسه وقال:
ربما نهتدي إلى المسار الصحيح حين نتصالح مع وجوهنا، لا مع أقنعتنا.

التعليقات مغلقة.