الانتفاضة // شاكر ولد الحومة
عاشت شوارع المملكة فرحا عارما بفوز الأشبال بكأس العالم بالشيلي ،وهي فرصة متميزة لتهنئة هؤلاء الأبطال بهذا التتويج والذي لا يجب أن ينفي عيوب البلاد ونقائصها وكوارثها من أزمة التعليم وكارثة الصحة ومعضلة الكرامة ومشكلة العدالة الاجتماعية.
فوز مهم لكنه صغير في نهاية المطاف بالمملكة الشريفة التي تعاني من كل عوام الفساد والإفساد على جميع الأصعدة وفي كثير من المجالات والميادين.
فساد تعليمي أخرج لنا أجيالا لاتعلم حتى فرائض الوضوء ولا سنن الاستنجاء.
وفساد صحي لا تخطؤه العين من خلال المستشفيات التي تفتقر في الغالب الأعم للدواء الأحمر.
وفساد مالي وذلك من خلال مراكمة الأموال العامة في يد الجكومة ودايناصورات العمل السياسي، و التي تبني بها التيرانات والاماكن الترفيهية عبر صفقات مخدومة لصالحهم وتترك الصحة والتعليم للفقراء والمعوزين محققة شعار: إن للبيت ربا يحميه.
انتصار لا يجب أن ينسي المغاربة مغاربة الجبل ومعاناة أمهاتنا وبناتنا ونسائنا هناك مع الفقر والخصاص والعوز وغياب المدرسة وغيب المستوصف وغياب النقل المدرسي وغياب المرافق الاجتماعية وغياب كل عوامل التنمية المستدامة.
انتصار لا يجب أن ينسي المغاربة مغاربة القرى والهامش والمغرب غير النافع والمغرب العميق والذي لا يتوفر حتى على أبسط ضرورات الحياة من ماء وكهرباء وعيش كريم.
فماذا سيضيف هذا التتويج إن كان المغرب والمغاربة لا زالوا يعيشون تحت عتبة الفقر والغلاء الفاحش والزبونية والمحسوبية والرشوة والفساد الإداري وصعوبة الولوج إلى الخدمات الأساسية؟
وما سيجنيه مغاربة الظل من فوز لا يستفيد منه إلا أصحاب الكرة المنفوخة بالبرد من قبيل القجع ومن والاه، والتي فرقت أسرا وشتت شمل عائلات، وجعلتهم يقيمون الحرب ولا يقعدونها.
كرة يستغلها أولو الرأسمال من أجل مضاعة رساميلهم من الأموال التي يبذرونها تبذيرا دون حسيب ولا رقيب ، فضلا عن تسمين حساباتهم البنكية، في الوقت الذي لا زال المغربي أو المغربية لا يجدون ثمن خبزة وكاس شاء، بل ومن المغاربة من يقطنون في الخلاء ويفترشون الأرض ويلتحفونن السماء كحالة ضحايا زلزال الحوز، ومنبوذي المملكة من قبيل “البوعارا والسعايا ومغاربة البركاصات”.
وكان مما أخرج حركة زيد إلى الشوارع هو تنبيه الدولة إلى أهم مفاصل المملكة وهي الصحة والتعليم والحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية وليس كرة القدم، رافعة شعارات “مابغيناش الكورة بغينا الصحة والتعليم”.
كرة القدم التي يستفيد منها كبار القوم وعلية المجتمع بينما الفقير و “البوفري” قد يستيقظ صباحا ولا يجد ثمن علبة من الحليب له ولأطفاله الذين يجدون صعوبة في الولوج إلى المدرسة العمومية والمستوصف العمومي.
كرة القدم كان جيل “زيد” يدعو في مسيراته من أجل عدم إعطائها الأولوية، وكانت الحركة تقول “ببناء الإنسان قبل التيران ومابغيناش المونديال وبغينا الصحة والتعليم”، لكن يبدو أن الحركة هي الأخرى انخرطت في هذا الموال مع اللآخرين وتخلت عن شعاراتها بعدما تخلى عنها بعض أفرادها ولا أدل على ذلك الأعداد الصغيرة التي خرجت في الوقفات الأخيرة والتي لم تكن بنفس العدد في البداية، حيث يبدو أن المخزن أدخلها إلى بوثقته ودجنها تدجينا.
لسنا ضد كرة القدم وإن كانت هي في الأصل أفيون الشعبوب وقد تجد أمواجا متموجة من شباب اليوم من لا يحسنون الوضوء هذا إن كانوا يصلون أصلا، ولكن منهم من يعرفون من خلال كرة القدم رقم حذاء لاعب مشهور في بلد ما وفي نادي ما.
لسا ضد الفرح فنحن مغاربة ومسلمون وملكيون ونعترف بمغربية الصحراء ولله الحمد ولن يزايد علينا أي “زلايجي”، لكن لسنا إمعيون و “زلايجية” تأخذنا اللحظات العابرة والانتصارات الصغيرة والتتويجات البسيطة في الوقت الذي لم ننتصر فيه على الفقر والجهل والخصاص والعوز والصحة والتعليم والحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية.
بل وبعد كل انتصار صغير أو تتويج بسيط يعود “الزلايجية” لسب فضاعة التعليم وكارثية الصحة وغياب العدالة وطغيان الفساد وانتشار المحسوبية والزبونية وانعدان الشفافية، وذلك عندما يصطدموم بالواقع المر والمعيشة المريرة في بلد يمتلك كل مقومات التقدم والازدهار والرقي، لكن يأبى المغرب إلا أن يتجه نحو الانحدار في المنحدرات والمنعرجات الخطيرة و المغلقة.
فتعليمنا يحتضر وصحتنا تئن تحت وطأة الأمراض والعلل والكرامة يداس عليها بحذاء الظلم والعدالة الاجتماعية محبوسة في قفص الإتهام، بينما “الزلايجية” يهيمون في كل شارع يهيمون ويقولون ما لا يعلمون.
بل منهم من ألف أغاني في الموضوع ومنهم من بدأ في تحليل مباريات المنتخب وهو لا يعرف الفرق بين الركنية وضربة المرمى، ومنهم من أطلق العنان للفرح الهيستيرى إلى ساعات متأخرة من الليل ولما حان أذان صلاة الصبح “جبد عليها بشخرة” إلى طلوع الشمس.
كما أن عددا من النسوانيات ملؤا المقاهي انتظارا للمباراة تاركين “رجالاتهوم” في المنزل هذا إن كان عندهوم رجالا طبعا، وبرحوا المقاهي والأماكن العمومية في كامل زينتهن وهن يلسن القميص الوطني الذي يبدي مفانتهن أكثر مما يخبؤها.
فكرة القدم مجرد لعبة ولا يستفيد منها إلا كبار القوم ومن ولدوا وفي أفوههم ملاعق من ذهب والذين يستفيدون من كل “الامتيازات والسفريات والعمارات والباطمات والسيارات والهميزات والاقامات والجردات ولابيسينات والخدم والحشم وتدريس أبنائهم في أرقى الجامعات والتطبيب في أحسن المستشفيات بينما تركوا “للبوفرية والزلايجية” كرة القدم “يتلاهاو بيها” “مرة فرحان ومرة زعفان” إلى آخر الأسطوانة.
تركوا “للبوفرية والزلايجية” تدريس أبنائهم في أقسام الدولة 50 طفل وطفلة، وتطبيب أبنائهم في مستشفيات إذا دخلتها حسبتها “كرنة”، إضافة إلى التطبيع مع الفقر والتهميش والإقصاء والعوز إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
هل تعتقدون أن الفوز بكأس العالم للشبان وحتى إن فاز المغرب بكأس العالم للكبار والسيدات وكرة القدم للقاعة وغير ذلك، صدقوني فلن يتغير شيء في المملكة ليس تشاؤما وتطيرا ولكن اعتقادا مني أن الهوة كبيرة جدا، وأن المغرب يسير بسرعتين كما عبر عن ذلك جلالته في خطابه الأخير، وأن عوامل الفساد وجينات الإفساد تسير في عروق بعض المفسدين المغاربة جري الدم، وأن دول كبرى نظمت كأس العالم، بل وفازت بكؤوس عدة لكنها لم تستطع أن تخرج من وطأة الفقر و جبة الخصاص و مشنقة العوز من قبيل البرازيل وغيرها، حينها علموا أن المراهنة على كرة القدم رهان خاسر كمن أدخل حمارا لمنافسة الفرس في سباق للفرووسية، فضاع الحمار وضاع التعليم وضاعت الصحة وضاعت الحرية وضاعت الكرامة وضاعت العدالة الاجتماعية وضاع المواطن وضاع الوطن.
إن كرة القدم لم تكن يوما ديدن الأغنياء والمثقفين والأكاديميين والصحفيين المهنيين والمحترفين وعلية القوم وسادتهم إلا بقدر ما تذره عليهم من أموال تترعرع، بل كانت ولا زالت وستبقى لعبة الفقراء يتسلون بها بين الفينة والأخرى لنسيان الخيبات والأزمات والنكبات والمدلهمات، في الوقت الذي يسيطر فيه أخنوش وحواريوه وأغنياء البلد فى السيطرة على كل الثروات تاركين “للبوفرية” والفقراء و “الزلايجية” “الغبرة والعجاج” للأسف الشديد.
بقي أن نشير إلى أنه وجب أن نهتم بالأولويات والمسائل الجوهرية من صحة وتعليم وحرية وكرامة وعدالة اجتماعية، والتي من شأنها أن تقيم عود المواطن، وأن نعلم أن بناء الإنسان أهم من بناء “التيران” وأن التعويل على كرة القدم هو تعويل على “الخلا والقيفار”، وأن الحل ليس هو أن الإنسان “يحل فموا بالغوات” عند كل انتصار وهمي وتتويح لحظي: “والمغرييييييب” والمغرييييييب….والمغريييييييب…” وإن كان هذا لا بأس به في بعض الحالات خاصة عندما يجد “البوفري” و”الزلايجي” الصحة والتعليم والحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية، لكنه ليس ضرورة الآن و خاصة في الظروف الحالية والتي يعيش فيها المواطن المغربي بين مطرقة الفقر وسندان الخصاص، وأن المغاربة “عايشين عيشة الدبانة فالبطانة” كما قالت ناس الغيوان في إحدى أغانيها.
ختاما لا نستكثر على “الزلايجية والبوفرية” فرحتهم ولكن ننبه إلى أن كرة القدم ليست أولوية وأن الأهم هو الصحة والتعليم والحرية والكرامة والعدالة الإجتماعية وأن الكرة تأتي بعد ذلك وليس قبل ذلك.
وإذا ما انتصرنا على الصحة والتعليم والحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية فسيكون انتصارنا في كرة القدم وربحنا لكاس إفريقيا وكأس العالم وكأس “ماعرفت شنو”، ثالثة الأثافي، “وحتى إلى فرحنا جات علينا”، حينها يمكن أن نصبح كلنا “زلايجية”.
وكل كرة وأنتم..
التعليقات مغلقة.