الانتفاضة // عبد العزيز كوكاس
جلس المشايخ الكونيون في دائرة شبه مقدسة فوق مقاعد من غيوم متحجرة، بينما تدلّت من السقف نجوم باهتة كأنها مصابيح غرفة طوارئ كونية. احتشد حولهم جمهور من الكائنات الفضولية بأشكال هندسية معقدة، جاءت لتسمع الكلمة الفصل في القضية التي شغلت جميع المجرات منذ ظهور أول مركبة حاولت خرق حدود الضوء: هل يجوز السفر بسرعة تفوق سرعة الضوء؟
تقدم المفتي الأعظم، كائن بسبع عيون تدور حول رأسه كما تدور الأقمار حول كوكب ميت، مرتديًا عمامة من نسيج النيازك وبدأ خطبته بصوت يشبه صدى الفراغ نفسه:
“يا أيها الكائنات الموزعة على المجرات، اعلموا أن سرعة الضوء حدّ كوني ثابت، حُدد في الأزل ولا يجوز التلاعب به. فقد ورد في الصحف النجمية القديمة أن من تجاوز هذا الحد، احترقت مراكبه واختفى في فجوة زمنية، وعاد بعد ألف عام على هيئة ملف إداري غير مكتمل في أرشيف البيروقراطية الكونية.”
ثم أضاف: “إن تجاوز سرعة الضوء بدعة، والابتكار في المدارات فتنة، ومن خالف الإجماع النيزكي فقد ضلّ عن المدار المقدس”.
أسباب التحريم
حماية الهوية الكونية: فقد يؤدي السفر بسرعة مفرطة إلى اختلاط الثقافات واللغات النجمية، وهو أمر خطير على المجتمعات المجرّية المحافظة التي تخشى أن تتحول لهجاتها الأصيلة إلى لهجة الكواكب المتقدمة ذات المصطلحات التكنولوجية الفاسدة.
الخوف من الفساد الأخلاقي: الكواكب البعيدة معروفة بانحرافاتها الفكرية مثل حرية المدارات، المساواة في الجاذبية، وحتى إلغاء قوانين الدوران القسري حول النجوم… وكلها أفكار تحررية تهدد استقرار المنظومة الكونية القائمة على مركزية النجم الأعلى.
الحفاظ على التجارة التقليدية: سيؤدي انتشار السفر الفائق السرعة إلى انهيار تجارة الوقود النيزكي و”زيوت المذنبات”، وهي قطاعات اقتصادية مملوكة بالكامل لأبناء بعض المشايخ الكبار.
النقاشات الجانبية
قال أحد المشايخ النجميين: “من تجاوز سرعة الضوء خرج من الملّة المدارية”.
اعترض أحد الشباب الكونيين مكوَّن من بخار نيون مشع، رفع يده وسأل:
-مولانا.. ماذا عن البحث العلمي؟
ابتسم المفتي الأعظم، وهو يعبث بسبحته المصنوعة من كويكبات صغيرة، وقال:
“يا بني، البحث العلمي جائز شرط أن يكون مسبوقًا بموافقة لجنة ضبط الحقائق حفاظًا على الإيمان بالمقدسات القديمة، أما اكتشاف الحقائق الجديدة دون إذن، فهو خروج عن إجماع المجرات.”
اقترح وفد من الكواكب المترددة حلًا وسطًا: السماح بسرعة الضوء زائد واحد، لكن اللجنة أصدرت بيانًا شديد اللهجة بأن “الابتكار في السرعات بدعة تهدد وحدة المدار المقدس”.
بعد مداولات استمرت ثلاث دورات كوانتية كاملة، أصدر المجلس الأعلى فتوى رسمية: “يحرم تحريمًا كونيًا تجاوز سرعة الضوء إلا في حالات الضرورة القصوى، كالهروب من الفواتير الضريبية أو السفر العاجل لحضور مؤتمر عن مخاطر تجاوز سرعة الضوء.”
الخاتمة الاعتبارية
لم يكن النقاش علميًا بقدر ما كان عن الخوف، الخوف من التغيّر، من فقدان مركزية النجم الأعلى، من أن نكتشف أننا لسنا محور الكون كما كنّا نظن. وهنا أدركت أن مقاومة تجاوز سرعة الضوء لا تختلف كثيرًا عن مقاومة فكرة الحرية في كوكبكم الصغير، كلاهما محاولة يائسة لحماية سلطة عتيقة من الانهيار.
ربما لم تكن المسألة في جوهرها عن سرعة الضوء أبدًا. الضوء كان مجرد ذريعة. كانت المشكلة الحقيقية – وما زالت – هي سرعة التغيير. فالقوانين الكونية ليست ما يربطنا في مداراتنا بل خوف النجوم القديمة من فقدان مركزيتها هو الذي يفعل ذلك.
فليست المشكلة في القوانين الفيزيائية بل في القلوب التي تخشى أن ترى ما وراء حدودها. وهكذا، تبقى المجرات تدور في مكانها، لا لأن الضوء يمنعها ولكن لأن العقول مربوطة بسلاسل غير مرئية من نصوص قديمة، سلاسل صنعتها أيادينا ثم نسينا أين وضعنا المفاتيح. فتهاب الفراغ المجهول أكثر مما تهاب الثقب الأسود نفسه.
وهكذا، بينما يواصل الكون تمدده، تواصل المجرات كلها سجالاتها العقيمة حول حدود الضوء، وتغفو تحت عمامة نيزكية ثقيلة، مطمئنة إلى أنها لن تحتاج أبدًا لمواجهة المجهول.
التعليقات مغلقة.