ترامب يعلن «عصر السلام» من شرم الشيخ … متجاهلا جوهر الصراع الفلسطيني

الانتفاضة 

على ما يبدو، فقد فتحت الزيارة الأخيرة للرئيس الأميركي “دونالد ترامب” إلى إسرائيل ومصر، وما تلاها من توقيع إتفاق لوقف الحرب الإسرائيلية على غزة خلال قمة شرم الشيخ، صفحة جديدة في مسار الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي، بما تحمله من رهانات سياسية وتحولات إقليمية كبرى، قد تتجاوز حدود القطاع، لتعيد رسم ملامح المنطقة برمتها.

هذه الخطوة، التي جاءت بعد حرب إستمرت لعامين، وخلفت تداعيات إنسانية وسياسية عميقة، لا تعكس سوى رهان أميركي واضح على تحويل لحظة إنهاء الحرب، إلى منطلق لـ “عصر سلام جديد”، كما وصفه “ترامب” في خطابيه أمام الكنيست الإسرائيلي وفي قمة شرم الشيخ.

غير أن هذا التفاؤل المعلن يصطدم بواقع تاريخي شديد التعقيد، وبقضية لم تُحل منذ أكثر من سبعة عقود، إذ ومن الناحية السياسية، نجح “ترامب” في تسجيل اختراق مهم يتمثل في وقف الحرب، وهو اختراق وفّر له غطاءً إقليمياً ودولياً واسعاً، وقلّص هامش المناورة أمام رئيس الوزراء الإسرائيلي “بنيامين نتنياهو”، في إستئناف العمليات العسكرية متى شاء، خاصة بعد إطلاق سراح الرهائن الإسرائيليين.

لكن هذا الإنجاز الظاهري لا يمكن فصله عن سياسات “ترامب” السابقة، التي ساهمت في تفجير الصراع نفسه؛ بدءاً من الإعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، ومروراً بتأييد سيادتها على الجولان السوري المحتل، وانتهاءً برعاية إتفاقيات “أبراهام”، التي أعادت صياغة مشهد التحالفات في المنطقة.

ويبدو أن “ترامب” في ولايته الثانية، يسعى إلى استكمال ما بدأه، عبر مقاربة قائمة على ما يسميه “السلام الأوسع”، وهو سلام يتمحور حول إسرائيل ويستند إلى ميزان القوة لا إلى معالجة جوهر القضية الفلسطينية.

وفي هذا السياق، تتضح ملامح أجندته المقبلة: الدفع نحو توسيع دائرة اتفاقيات أبراهام لتشمل دولاً عربية وإسلامية إضافية، والضغط لنزع سلاح حزب الله في لبنان، والسعي لإعادة تشكيل العلاقات السورية–الإسرائيلية، من خلال إتفاق أمني ثنائي قد يشكل منعطفاً في مسار الصراع الإقليمي.

ورغم أن تفاصيل خطته المستقبلية تجاه غزة لم تتضح بالكامل بعد، خاصة فيما يتعلق بترتيبات إدارة القطاع ومستقبل حركة حماس، فإن المؤكد أن اتفاق شرم الشيخ، يمثل أرضية سياسية مهمة لواشنطن من أجل تعزيز نفوذها الإقليمي، كما أن هذا الاتفاق يتيح لإدارة “ترامب” تقديم نفسها كـ“منقذ” لإسرائيل، من حرب أنهكتها عسكرياً من دون أن تترجم إنجازاتها الميدانية إلى مكاسب سياسية.

غير أن الخطأ البنيوي الذي يكرر “ترامب” ارتكابه، كما يقول محللون، يكمن في تجاهله لبّ الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي، والمتمثل في غياب الدولة الفلسطينية المستقلة.

فلا إشارة إلى هذا الإستحقاق وردت في خطاباته، ولا في رؤيته لغزة بعد الحرب، ليؤكد خبراء في العلاقات الدولية أن أي سلام لا يقوم على معالجة هذا الجذر العميق، سيظل هشاً وعرضة للانفجار من جديد، مهما كانت الترتيبات الأمنية والسياسية المحيطة به.

كما أن أي محاولة لإعادة تشكيل الشرق الأوسط من منظور أميركي محض، ومن خلال عدسة المصالح الإسرائيلية، قد تخلق حالة استقرار مؤقتة، لكنها لن تؤسس لسلام شامل أو دائم، إذ لا يمكن تحقيق “عصر السلام” الموعود، من دون عدالة سياسية تضمن للفلسطينيين حقوقهم المشروعة، وفي مقدمتها إقامة دولتهم المستقلة.

التعليقات مغلقة.