الإنتفاضة
بقلم محمد السعيد مازغ
لم تعد المستشفيات المغربية ذلك الفضاء الآمن الذي ينعم فيه المواطن بالطمأنينة والسكينة، بل تحولت في نظر كثيرين إلى مصدر للقلق والمعاناة، في ظل واقع متأزم تغذيه اختلالات مزمنة على مستوى الموارد البشرية واللوجستيكية، وسوء الحكامة والتسيير.
هذه الاختلالات المزمنة ساهمت في تقوية نفوذ المصحات الخاصة، وحوّلت قطاع الصحة إلى مجال للتجارة المربحة والثراء السريع، في مقابل معاناة حقيقية لذوي الدخل المحدود، الذين يعجزون عن تحمل كلفة العلاج في القطاع الخاص.
فلم تعد المواعيد الطبية في المستشفيات العمومية تُحدّد بالأسابيع، بل صارت تُمنح على أساس الشهور، وربما السنوات إن استمر الحال على ما هو عليه، وحتى إذا جاء الموعد بعد طول انتظار، قد يُفاجأ المريض بأجهزة طبية معطلة، إما بفعل الضغط المستمر، أو – للأسف – بسبب الإهمال أو التعمد، ليُطلب منه اللجوء إلى مختبرات أو مراكز خاصة، تكلفه أموالا قد لا يطيقها.
وتزداد الصورة قتامة حين يزاوج بعض الأطباء بين العمل في القطاع العام والمصحات الخاصة، وبل يعمد بعضهم في سلوك لا يخلو من وصولية ومصالح، إلى تحويل مرضى المستشفى العمومي نحو المصحات، بدعوى النقص في التجهيزات وضمان شروط النجاح، وهو سلوك يضرّ بمصداقية المهنة، ويحمّل الأطباء الشرفاء أعباءً إضافية، ما يثقل كاهلهم بالعمل المتراكم بسبب غياب آخرين، حيث يجدون أنفسهم أمام أعداد متزايدة من المرضى في ظروف مرهقة وطاقات منهكة.
إن استمرار تردّي الوضع الصحي بهذا الشكل ينذر بعواقب وخيمة، وقد يُحوّل المستشفيات العمومية إلى قنابل قابلة للإنفجار في أي لحظة، بفعل تراكم الإحباطات، واحتقان المواطنين، وتدهور شروط العمل، مما يفرض تدخلاً عاجلًا وشاملًا لإصلاح المنظومة الصحية، وإعادة الإعتبار للمرفق العمومي، وضمان الحق في العلاج بكرامة وعدالة.
التعليقات مغلقة.