ظاهرة السياسي الصحفي وأزمة العمل السياسي الحزبي

الانتفاضة // محمد الراجي

نقصد بالظاهرة في جهتنا سوس ماسة، الصحفي المقتدر سي رضا الطواجني، الذي يمارس، بصفته الصحفية، السياسة طولا وعرضا في الجهة بأسرها تقريبا، تحت يافطة محاربة الفساد وتخليق المرافق العمومية والتنبيه لاختلالاتها في مجالات عدة من التعليم والصحة والبيئة وشؤون الجماعات المحلية، وغيرها من المواضيع الحساسة؛ كما يقوم بتعبئة المواطنين وتوجيههم عن بعد، وأحيانا يحرض على الوعي والاحتجاج السلمي والقانوني؛ حقا إن ما يقوم به هو في جوهره عمل سياسي تخلت عنه الأحزاب السياسية وشبيباتها.
اعتبر هذا الرجل ظاهرة تدل على عمق ازمة العمل السياسي الحزبي، بحيث يقوم بعمل تجاوز العمل الصحفي المجرد من الخلفية السياسية؛ عمل لم تستطع الأحزاب مجتمعة القيام به؛ والملفت أنه أدى بسببه ثمنا تفر منه القيادات الحزبية الجديدة، وهو التضحية بما تملك، وحتى السجن ومزيد من المتابعات القضائية؛ كل ذلك بإظهار الشجاعة وبعدم الخوف.
ومن نافلة القول أن نقول، أمام هذه الظاهرة، التي تخص هذا النوع من “العمل الصحفي”، إن هذه الاحزاب غارقة في نوم عميق أو متحصنة خوفا أو طمعا في دكاكينها، التي لا تغادرها لعناق هموم المواطنين، على عكس الأحزاب التاريخية، في العقود الماضية؛ وإذا استفاقت، إنما تكون منشغلة بهموم المحطة الانتخابية او شؤونها الداخلية؛ وأما شبيباتها، فلا ترفع صوتها إلا في المطالبة بريع كوطا الشباب والشابات في البرلمان.
لست متفقا مع هذا الرجل، لا في توجهه السياسي، الذي أستشفه من خلفية عمله الصحفي، ولا في بعض مواقفه وتحليلاته؛ لكنني، حقا، أقدر فيه مؤهلاته، وصحة عمق بعض تحليلاته، وقدرته على التأثير في الرأي العام؛ وهي مؤهلات يفتقر إليها السياسي الحزبي، ولو في حدها الأدنى؛
وهذا كله لا يعني أن ما يقوم به هذا الصحفي هو النموذج المثالي للعمل السياسي، بل قد يكون كارثبا، عندما يفهم منه التحريض، بدون آفاق لحل المشكلات؛ لأن عمل الصحفي، على هذا المستوى، وإن كان رائعا وعلى أهميته الكبيرة، ليس إلا بداية للعمل السياسي الحقيقي الذي تتلوه مهارة الاقتراح ورفع مذكرات عمل للمعنيين، ومهارة التواصل المباشر معهم لوضع النقاط على الحروف، ومهارة المتابعة ومهارة التقييم، ومهارة تحديد متى وكيف يكون إعلان شكل من أشكال النضال عند الحاجة القصوى، وعند عدم الاستجابة للحوار السياسي؛ وهي مهارات أساسية تتجاوز عمل الصحفي ومهماته التقريرية أو التحليلية.
لذاك، وللحقيقة، إن الخدمات الاجتماعية التي تقوم بها الدولة ومؤسساتها، لم تتدهر، بهذا الشكل الكارثي غير المعهود (الخدمات الصحية مثلا)، إلا بسبب تدهر العمل السياسي الحزبي، بمهاراته المذكورة، وبسبب غياب المناضلين القياديين الذين يفترض فيهم أن يقوموا بواجبهم السياسي، بالكلمة القوية، وبالحكمة اللازمة، وبتوعية الموطنين، وتأطير احتجتجاتهم؛ كل ذلك لا يمنعه أو يحده خوف أو طمع.

التعليقات مغلقة.