الانتفاضة // فؤاد السعدي
لم يعد ممكنا إقناع المغاربة بأن عزيز أخنوش ما يزال قادرا على قيادة المرحلة المقبلة، على اعتبار كل المؤشرات تقول العكس. فالرجل الذي جاء على رأس الحكومة تحت شعار الكفاءات، لم يثبت شيئا سوى أن الكفاءة كانت مجرد وهم، وأن ما وعد به الناخبون لم يكن سوى خطابا انتخابيا عابرا. اليوم، بعد أربع سنوات من العجز والارتباك، تبدو نهايته السياسية أقرب من أي وقت مضى.
أول المؤشرات الصارخة على ذلك جاءت من أعلى سلطة في البلاد، حين تم تجريد رئيس الحكومة من أهم اختصاص سياسي وهو الإشراف على الاستحقاقات الانتخابية. فخطاب العرش كان حاسما في هذا الباب، خصوصا عندما أسندت الى وزارة الداخلية مهمة التحضير الكامل لانتخابات 2026. وحتى نكون دقيقين هنا لا يتعلق الأمر بتفصيل إداري أو تقني، بل بقرار سياسي يعكس فقدان الثقة. وبالتالي فإبعاد رئيس الحكومة عن إدارة انتخابات حزبه مشارك فيها رسالة واضحة إلى الداخل والخارج وهي أن نزاهة الاقتراع لا يمكن ضمانها بوجود تضارب المصالح، ولا يمكن أن تترك في يد شخص لم يستطع حتى إقناع المواطنين بخطابه التلفزيوني المرتبك.
وأما المؤشر الثاني أكثر دلالة يتجلى في قلب أزمة عيد الأضحى، لما سحب من وزارة الفلاحة ملف دعم القطيع الوطني، وأسند مرة أخرى إلى وزارة الداخلية. هذا التطور لا يمكن قراءته إلا كتجريد صريح ومباشر لأخنوش من “مجاله الطبيعي”، باعتباره رجل الفلاحة الذي ظل يقدم نفسه لعقود باعتباره عارفا بخبايا القطاع. فإذا كان قد جرد حتى من هذا الملف، فما الذي تبقى له ليقنع المغاربة بجدواه؟
لكن فشل أخنوش لم يتوقف عند حدود فقدان الثقة المؤسساتية، بل تجاوزه إلى فضائح سياسية وأخلاقية أفرغت الولاية الحكومية من أي مضمون خصوصا بعدما سجلت فترة رئاسته رقما قياسيا في عدد الاعتقالات والمتابعات القضائية التي طالت برلمانيين ورؤساء جماعات، معظمهم من حزبه ومن أحزاب الأغلبية التي يقودها، وهو مشهد غير مسبوق في تاريخ التجارب الحكومية، ويعكس حجم الاختلالات التي تنخر هذه الأغلبية، ويطرح سؤالا بديهيا وهو إذا كان من يفترض أنهم “نخب سياسية” متورطين بهذا الشكل، فأي مصداقية بقيت للعملية السياسية برمتها؟
إلى جانب ذلك، لم ينجح رئيس الحكومة في تقديم أي تصور واضح لمعالجة الأزمات الاجتماعية، وعلى رأسها ملف التشغيل، بل إن خروجه الإعلامي الأخير فضح أكثر مما أصلح. فساعة كاملة من التردد والتلعثم، بلا أرقام مقنعة ولا أجوبة واضحة، جعلت من ظهوره مادة للسخرية أكثر من كونه فرصة لبناء الثقة، ولعل ما زاد الطين بلة أن بعض وزرائه خرجوا بعدها ليصفوا ذلك الحوار بالفوز السياسي الكبير، في تصريحات استفزت الرأي العام أكثر مما أقنعته.
أما فضيحة الحوز، فقد عرت بشكل قاس الوجه الحقيقي لحكومة أخنوش. ففي اللحظة المأساوية التي كان المغاربة ينتظرون سرعة التدخل وحسن التنسيق، ظهر ضعف الحكومة وعجزها عن إدارة الكارثة بما يليق بدولة تراكم خبرات في مواجهة الأزمات، بالتالي بدل أن تكون تلك اللحظة فرصة لإعادة بناء الثقة، تحولت إلى عنوان بارز للفشل والارتباك، لا تزال تداعياته السياسية قائمة إلى اليوم.
تضارب المصالح ظل هو الآخر سيفا مسلطا على رقبة رئيس الحكومة، فرجل الأعمال الذي راكم ثروته من المحروقات والفلاحة لم يستطع أن يفصل بوضوح بين موقعه السياسي ومصالحه الاقتصادية. وهذا الخلط هو ما جعل فئات واسعة من المواطنين ترى في حكومته أداة لخدمة مصالح ضيقة، أكثر من كونها مؤسسة لخدمة الشأن العام. ومع كل أزمة جديدة، كان هذا الانطباع يترسخ، حتى صار من الصعب تجاوزه.
في مقابل ذلك، كان الشارع يرسل إشارات متكررة بأن الصبر نفد، ولعل الاحتجاجات التي انطلقت من القرى والبوادي عكست عمق الهوة بين خطاب الحكومة وواقع الناس. الفوارق الاجتماعية والترابية اتسعت، والوعود لم تتحقق، وما يزيد الوضع قتامة أن رئيس الحكومة تعامل مع هذه الاحتجاجات بنبرة استعلاء ولامبالاة، وكأنها تفاصيل ثانوية.
إن الربط بين كل هذه العناصر يكشف بوضوح أننا أمام نهاية سياسية مكتملة الأركان. فالملك، حين يسند للداخلية تدبير الانتخابات والبرامج الاجتماعية، لا يوجه رسالة إلى المعارضة فقط، بل إلى رئيس الحكومة نفسه. والرسالة تقول إن مرحلة أخنوش انتهت، وإن المغرب مقبل على إعادة ترتيب البيت الداخلي تحضيرا لمحطة مفصلية هي مونديال 2030، حيث ستحتاج البلاد إلى حكومة بمستوى آخر من الكفاءة والمصداقية.
الحقيقة أن ما كان على رئيس الحكومة أن يقوله في خرجته التلفزيونية ليس خطابا إنشائيا أو ترديدا لعبارات محفوظة، بل اعتذار صريح للمغاربة وطلب الصفح منهم. لكن لأنه لم يفعل، فإن المغاربة بدورهم سيقولون كلمتهم، وربما قالوها بالفعل وهي لا مكان لولاية ثانية، ولا مكان لرجل فشل في الامتحان الأول.
التعليقات مغلقة.