“كوكب على المقاس: حكايات عن عبث كوني بطعم وطني”  

الانتفلضة // عبد العزيز كوكاس

أيها المتتبعون لما يحدث في كوكب الأرض، بسبب ثقل همومكم ومعاناتكم بسبب وطأة الصهد وغلاء الأسعار، وتوالي أخبار الحروب والحرائق والتعازي عليكم من كل حدب وصوب، ونظرا لتحول جزء من قبيلة الصحافيين إلى كلاب ضالة تنهش في ذمة بعضها البعض، بسبب غباء ناجحين في جني الثروة وعوا ذلك متأخرين، واغتناء فاشلين وبيّاعين كلام يعتبرون أنفسهم مؤثرين ويرتعون في بحبوحة عيش لا قبل لمن يكدُّ ويعرق بجهده إليها سبيلا حتى لو حلم بالنجوم، وبسبب تراكم الغم والحزن عليكم من كل جانب.. قررت أن أسلّيكم قليلا، أن أفرّج كربتكم وأنتم مقبلون على تكاليف دخول مدرسي بعد أن استنزف الصيف مالكم وحتى ما ليس لكم، مما اقترضتموه أو حزتموه بهذه الصيغة أو تلك..

فكرت في سلسلة مقالات ساخرة يمكن أن تشكل “تاريخا مختصرا للعبث”، لكن برؤية تأملية تهم الكوني والوطني معاً، بأسلوب بارودي يشبه المسرح الكوميدي الأسود، حيث السخرية تصبح أداة تفكيك عميقة، وقد اخترت له عنوانا طريفا: ” كوكب يتثاءب: كتالوغ العبث بنكهة وطنية”، تشتغل هذه المقالات على بعدين متوازيين: البعد الكوني يستحضر أحداثا كبرى (نشأة الكون، الثورات العلمية، الحروب، التكنولوجيا، غزو الفضاء) لكن من منظور شخصية ساخرة تعتبر كل ذلك سلسلة أخطاء من “إدارة الكون”، كأننا أمام بيروقراطية ارتكبت ملفاً إدارياً خاطئاً فأنتجت الحياة على الأرض. ثم البعد الوطني ويتمثل في إسقاط تأملات ساخرة على الواقع المحلي، حيث نرى القرارات السياسية، المشاريع التنموية، والخطابات الرسمية وكأنها إعادة إنتاج مصغرة للعبث الكوني. إذ يقيم الكتاب جسرًا بين “الأحداث الكونية الكبرى” و”الظواهر الوطنية الصغرى”، ليكشف أن كل ما نراه من عبث سياسي أو اجتماعي أو ثقافي ليس استثناءً، بل هو انعكاس مصغر لفوضى الكون نفسه. الفارق الوحيد أن الكون على الأقل لا يكتب بلاغات رسمية.

أما من حيث بنية هذه النصوص الساخرة فتمزج بين شكل بارودي حيث كل فصل يقلد شكلا معروفاً لكن يقلبه رأساً على عقب (نشرة أخبار كونية، خطبة جمعة فلكية، تقرير استخباراتي من المريخ، بلاغ حكومي بلغة الديناصورات…). وتأمل يضع القارئ أمام سؤال محوري حاد: “هل نحن نضحك على العالم أم العالم يضحك علينا؟”

فترقبوا هذه الزاوية كل ملحق أسبوعي مع كل جمعة، لنسخر معا مما يحزننا.

النشأة العشوائية العبث

وزارة الصدفة الكونية

اللجنة العليا لشؤون اللاجدوى

البيان الافتتاحي

أيها السادة والسيدات، أيها المجرّيون (نسبة إلى المجرّات لا إلى دولة المجر Hungary التي لا ذنب لها سوى أن اسمها يشبه الجوع في اللغة الإنجليزية)، تحية من النوع الذي يُرسل عادة في لحظات ارتباك، كأن يكتشف المذيع أن البث كان مباشراً منذ ساعة وهو يحكّ أنفه ويشتم زملاءه. يسرّ وزارة الصدفة الكونية أن تعلن، على غير عادة الوزارات، أنّها غير مسؤولة عن أي شيء. لا عن وجودكم، ولا عن كوكبكم، ولا عن المستقبل الذي تنتظرونه كما ينتظر المرضى في ممرات المستشفيات رقمهم على شاشة عاطلة.

لأخبركم أولا أنا موظف في وزارة الصدفة الكونية، في أدنى درجة إدارية ممكنة، حتى إن اسمي لا يظهر في لوائح الموظفين إلا بخط باهت مثل الملاحظات السفلية في كتب القانون. أكتب إليكم من مكتب صغير في أقصى الطرف المظلم من المجرة، حيث نكدّس الملفات غير المهمّة: ملف نشأة الحياة، ملف معنى الوجود، وملف تفسير لماذا يصرّ البشر على التصفيق بعد كل خطاب حتى لو كان عن رفع أسعار الثوم والبصل أو عن نفوق بقرة فلاح فقير في فيضان لم يهتم أحد بتوقعه!

لم يكن من المفترض أن تقرأوا هذه النصوص. لم يكن من المفترض، في الحقيقة، أن يوجد كتاب أصلًا ولا أن تُوجدوا أنتم، ولا حتى أن يوجد شيء اسمه “مستقبل”. كان من المتوقع أن تبقى الأمور أنيقة، ويظل الكون فارغًا، صامتًا كما يليق بالعدم المحترم. لكن، كما تعرفون، تسللت الصدفة، تلك السيدة الوقورة التي تضع أحمر شفاه رخيص وتدخّن في الممرات الخلفية للتاريخ، وقررتْ أن تمزح قليلًا مع قوانين الفيزياء. انسكب فنجان قهوة على اللوحة الكونية، وتشابكت الأسلاك، وبدأ العرض.. وها نحن عالقون مع النتيجة: كوكب الأرض الذي يبدو، من زاوية الوزارة، أشبه بحفلة تنكرية سيئة التنظيم، حيث الجميع يتشاجر على الأقنعة بينما يتسرّب الغاز السام في القاعة.

في وزارة الصدفة الكونية، لا أحد يعرف حقًا لماذا وُجدتم. الملفات التي تحمل عنوان “مشروع الأرض” موضوعة في درج بلا ملصق، بين تقرير غير مكتمل عن انهيار مجرة نائية وصورة مشوشة لثقب أسود يبتسم. حتى رئيس القسم، وهو كائن متعدد الأذرع حاصل على دكتوراه في العبث التطبيقي، يعترف سرّا أن نشأتكم كانت أقرب إلى حادث اصطدام بين شاحنة نيازك وكوب قهوة.

كل ما نعرفه منذ ذلك الحين ليس إلا سلسلة محاولات فاشلة لتصحيح هذا الخطأ الأول، لكننا ـ بدلًا من الإصلاح ـ صنعنا فوضى عارمة كتبنا عليها اسما مطمئنا “الحياة.”

ومنذ ذلك اليوم المشؤوم، بدأنا هنا في الوزارة نتابع أخباركم بانتظام: حروبكم المذهلة التي تبدأ من أجل العدالة وتنتهي على موائد مطعم كنتاكي، مؤتمراتكم التي تناقش مصير العالم لكن تنتهي بخلاف على نوع القهوة أو حول كمية السكر فيها، ومشاريعكم التنموية التي لا تنمو إلا في الخطابات الرسمية بينما المدن تزداد شحوباً كالمرضى في قاعات الانتظار.

صدقوني، من منظور كوني، أنتم مادة دراسية ممتازة في فن العبث، أنتم التجربة الوحيدة التي أثبتت أن العشوائية قادرة على إنتاج أنظمة كاملة، لكن أنظمة لا تعمل إلا على تخريب نفسها. أنتم البرهان على أن الحياة يمكن أن تكون مسرحية هزلية طويلة بلا مؤلف، حيث يخرج الممثلون عن النص، ثم يقتتلون فيما بينهم على الجمهور الذي غادر القاعة منذ زمن طويل. أنتم المثال الحي على أن العبث لا يحتاج إلى تخطيط، يكفي أن يترك المرء الأمور تمشي وحدها وستصل حتما إلى الفوضى لكن بلمسة فنية مدهشة.

كلما حاولنا في الوزارة فهم معنى وجودكم، تذكّرنا قاعدة العمل الأولى: لا تبحث عن معنى في مشروع لم يكن من المفترض أن يبدأ أصلاً. ومع ذلك، يصرّ سكان الأرض على تنظيم حياتهم كأنهم يعلمون إلى أين يسيرون، يضعون خططا خماسية وعشرية، يعلنون برامج إصلاحية بينما الكون نفسه يتوسّع بلا خطة سوى خطة التمدد الأبدي.

ولأننا في وزارة الصدفة الكونية نعاني من فائض في الوقت ونقص في الأمل، قررتُ أن أجمع لكم خلاصة تقاريرنا وملاحظاتنا عنكم. سأكتبها بلغة يمكن لسكان الأرض أن يفهموها أو يتجاهلوها كعادتهم. سأضع فيها قليلاً من التأمل، رشّة من السخرية وجرعة صادقة من الشفقة، حتى تدركوا شيئًا واحدًا، قبل أن تنفجر الشمس أو تعرض مجرتكم للبيع في مزاد علني تديره شركة متعددة الأكوان، أو يكتشف أحد الأطفال زر “الإلغاء” أسفل الكون ويضغطه بالخطأ..

قلت لتدركوا أن الضحك هو أفخم طريقة لمصافحة العبث، وأن التأمل ليس أكثر من محاولة بائسة لارتداء ربطة عنق في جنازة مهرج، وأن جدّية الحياة لم تكن يوماً إلا نكتة سيئة أُعيد تكرارها أكثر من اللازم، أو مرض معدٍ لا يُنصح بالاقتراب منه إلا بجرعات من السخرية السوداء.

مرحبا بكم في هذا الدليل الذي جاء بناءً على توصية اللجنة العليا لشؤون اللاجدوى، دليل النجاة من جدّية الحياة التي أضحت عبثا في عبث، دليل التسلية في طريق الانقراض.

حرّر في الطرف المظلم من المجرة

مكتب الموظف الأخير، وزارة الصدفة الكونية

التعليقات مغلقة.