صحفيون تحت الطلب في زمن السوشيال ميديا

الانتفاضة // محمد أزلو

في زمنٍ كان فيه الحبر يُراق من أجل الوطن، وكانت الكلمة تُوزن بميزان الشرف، كانت أقلام الصحفيين تُعدّ سيوفًا مشرعةً في وجه الفساد، وأصواتًا تصدح في سبيل الحق. كنا نؤمن أن الصحفي هو الحارس الأمين للضمير الشعبي، هو العين التي ترى ما لا يُرى، والقلم الذي يُسطّر ما يُخشى قوله. لكننا اليوم، نقف على مفترق إعلامي خطير، حيث انقلبت بعض المعايير، وذبلت القيم أمام بريق الأجر، وسقط بعض الصحفيين في فخ “الطلبية”، لا فرق بينهم وبين تجار المواسم، يكتبون لمن يدفع أكثر، ويصمتون متى شبعوا.

كنا، في الأمس القريب، نلوم أولئك الذين سخّروا أعمدتهم الورقية لخدمة “أسيادهم”، وكنا نطلق عليهم لقب “كتاب تحت الطلب”. كانوا ينالون نصيبهم من النقد والازدراء، ونعلم حين نقرأ لهم أن الحقيقة ليست سوى ظلّ لما يريد المسؤول أن يُنشر، وأن الخبر كُتب على طاولة التعليمات، لا على أرض الواقع.

لكن، ما لم نكن نتصوره، هو أن هذا النمط سيزدهر أكثر في عصر السرعة الرقمية، وأن “الكاتب تحت الطلب” لن يبقى خلف كواليس الصحف، بل سيتجسد أمام الكاميرات، يمسك بهاتفه، ويقول لك: “أهلاً بكم، الحقيقة كاملةً هنا”، بينما لا يعرض إلا ما يرضي من يموّله. ولدت فئة جديدة من “الصحفيين تحت الطلب”، يلبسون عباءة “اليوتيوبر”، و”صانع المحتوى”، و”المؤثر”، لكن الحقيقة؟ هي آخر اهتماماتهم.
أصبح بعضهم لا يملك أدنى حرج في تلميع الوجوه التي سقطت أخلاقياً، ولا يترددون في تصوير فقرٍ مدقعٍ في قرية نائية على أنه “إنجاز تنموي”، ويحولون مشهداً عادياً في مصلحة عمومية إلى “ثورة إدارية”. هم لا يحققون، لا يسائلون، لا ينتقدون، بل يروّجون، يمجّدون، ويدافعون. كل هذا، في مقابل حفنة من الدراهم، أو دعوة لحفل، أو وعدٍ بمقعد في قافلة “الاستفادة”.

لكن، من الإنصاف ألا نضع كل البيض في سلة واحدة. فكما هناك باعةٌ للحقيقة، هناك أيضًا من لا يزالون يقاتلون من أجلها. هناك صحفيون شرفاء، لا يبيعون أقلامهم، ولا يركعون إلا للضمير. أولئك الذين لا يغرّهم الظهور، ولا تستهويهم الولائم الصحفية، بل يفضلون قساوة الطريق على راحة التملق. هم قلة، نعم، لكنهم الملح الذي لا يُفسد المأكول، والصوت الذي يذكّرنا بأن الصحافة لم تمت بعد.

الصحفي الشريف لا يُشترى، لأنه يعتبر الحقيقة دينًا، والمهنة شرفًا. لا ينحني إلا للواقع، ولا يخاف إلا من خيانة القارئ. لا يكتب تحت الطلب، بل يكتب تحت الوحي الصادق للواقع المر، للناس، لآهاتهم، وأحلامهم، وحقوقهم.

في النهاية، يبقى السؤال مفتوحًا: من يُشكل الرأي العام اليوم؟ أهو الصحفي الحرّ الذي يبحث عن النور وسط العتمة، أم ذاك الذي تخلّى عن رسالته ليكون ببساطة… صحفيًا تحت الطلب؟

التعليقات مغلقة.