الانتفاضة // إلهام أوكادير
بينما تتواصل مشاهد المجازر والتجويع المستمر في قطاع غزة، وتتكشف تباعًا مواقف دولية أكثر صرامة تجاه إسرائيل، عاد الحديث و بقوة عن ما يسمى بـ”الصفقة الشاملة” لتبادل الأسرى، رغم أن هذا النوع من المبادرات، كان يُقابل برفض صريح من قبل رئيس الوزراء الإسرائيلي “بنيامين نتنياهو” و منذ اندلاع الحرب.
إلا أن المستجد هذه المرة، هو أن الطرح، جاء في صيغة مشتركة بين الولايات المتحدة وإسرائيل، حيث باتت “واشنطن” تتبنى هذه المقاربة بشكل واضح، مدفوعة بضغوط داخلية كما يظهر جلياً، فيما بدأت “تل أبيب”، تُلمّح إليها دون تقديم أي إلتزام رسمي على الأرض، ما ينفي جِدّيتها.
اللافت في الأمر ، هو أن الشخص الذي أعاد إشعال هذا المسار، ليس سوى المبعوث الأميركي الخاص “ستيف ويتكوف”، الذي زار مؤخرًا “تل أبيب” و قطاع “غزة”، حيث اجتمع بعائلات الأسرى الإسرائيليين، وتحدث إليهم، عن رؤية تتبنى صفقة تبادل شاملة، تتضمن كذلك شرطًا لنزع سلاح المقاومة الفلسطينية، ما دفع هذه التصريحات لإثارت جدلٍ واسعٍ، خاصة وأنها تتزامن مع تعثر المسارات التفاوضية، القائمة بين إسرائيل وحركة حماس، فضلا عن حدوث ذلك في وقت تشهد فيه “تل أبيب” توترًا سياسيًا داخليًا، و ضغطًا خارجيًا متزايدًا بسبب استمرار الحرب.
وفي خضم هذه التحركات، لم تتأخر حركة حماس في نفي المزاعم الأميركية بشأن قبولها بنزع سلاحها، مشدّدة في بيان رسمي على تمسكها بثوابتها، ورفضها لأي شروط تمس جوهر المقاومة أو الحقوق الفلسطينية، حيث بدت هذه التصريحات الأميركية في حقيقتها، و رغم خطورتها، مجرد محاولة لقياس ردود الفعل و تليين المواقف، أكثر من كونها مقترحات عملية قابلة للتنفيذ.
وفي تحليل لأبعاد هذه التطورات،لأحد المصادر الإعلامية العربية، يرى الباحث في الشؤون الإسرائيلية “فراس ياغي”، أن زيارة “ويتكوف” وتصريحاته، ليست معزولة عن السياق السياسي الأوسع، بل إنها تأتي في إطار محاولة أميركية مكشوفة، لاحتواء موجة الغضب العالمي المتصاعدة تجاه حكومة نتنياهو.
كما يشير أيضاً، إلى أن الزيارة الأميركية، قد سعت إلى تحقيق ثلاثة أهداف متداخلة؛ يكمن أولها في منح “نتنياهو” جرعة دعم سياسي إضافية في وجه الانتقادات الداخلية والخارجية المتزايدة، وثانيها تبرير إستمرار تدفق الدعم المالي الأميركي لمؤسسات محسوبة على إسرائيل من خلال إظهار وجود جهود إنسانية موازية للحرب، أما الهدف الثالث فهو إلقاء مسؤولية فشل الوصول إلى وقف لإطلاق النار على حماس، وبالتالي إعادة تجديد شرعية العمليات العسكرية الإسرائيلية المتواصلة في القطاع.
في ذات السياق، يعتبر المتابعون أن الحديث عن صفقة شاملة في هذا التوقيت، ليس إلا محاولة جديدة من قبل “واشنطن” و “تل أبيب” لكسب الوقت و إعادة خلط الأوراق، خاصة مع تصاعد الأصوات الدولية المطالبة بوقف فوري للحرب وفتح ممرات إنسانية آمنة.
كما أن تكرار الحديث عن عروض لم تتضح معالمها بشكل رسمي، يثير شكوكًا حول مدى جدية إسرائيل في إنهاء الحرب عبر حلول سياسية حقيقية، لا سيما وأن التجارب السابقة، أظهرت فشل “تل أبيب” في الإتزام بأي صيغ متفق عليها، ما لم تكن مشروطة بتفوق عسكري ميداني.
وفي ظل كلّ هذا الغموض، تبقى معاناة سكان غزة هي الحقيقة الوحيدة الواضحة و الراسخة، فيما تتحول الملفات السياسية إلى أوراق تفاوضية، يتم تحريكها حسب الحاجة، وسط حرب إعلامية ونفسية، لا تقل ضراوة عن الحرب العسكرية.
وبينما تستمر الأسلحة الحربية الإسرائيلية في إستهداف المدنيين، تتصاعد التساؤلات حول جدوى أي حديث عن مبادرات أو صفقات، في ظل غياب الثقة وتضارب الأجندات الدولية، وتحول حياة الفلسطينيين إلى ورقة ضغط ضمن حسابات سياسية تتجاوز الميدان.
التعليقات مغلقة.